الصفحة 21 من 146

وإذ ينفلت النص المكتوب من الموقف الخاص الذي تجري خلاله المحادثة الشفهية عادة والذي يحدّ منها فإنه يوسع أفق القارئ ويجعله مشرفًا على آفاق طريفة وعلى كون جديد. ومراجع هذا الكون الجديد غامضة وغائبة المعالم في أغلب الأحيان بالنسبة للقارئ فهو يجهل أكثرها أو أنه يراها على نحو مختلفٍ. فحين نقرأ اليوم كتاب الإمتاع والمؤانسة فإننا لا نكتشف في مسامراته دولة البويهين ولا أيام صمصام الدولة ولا وزارة أبي عبد الله الحسيْن بن أحمد كما كانت عليه تلك الدولة أو هاتيك الوزارة. وإنما سنكتشف فيها ما قد وصل إلينا منها خلال القرون العشرة التي تفصلنا عن مؤلّفها أبي حيّان التوحيدي (922 - 1023) أي مجموعة من الصفات المجرّدة التي عبرت تلك الأزمنة والتي يمكن لنا أن نشغلها رمزيًا.

وإذ يستبدلُ النص العدد المحدود بالضرورة والذي يكوّنه المشاركون في المحادثة الشفهية بعدد يمكن ألا يتناهى من القراء فإنه يكتسب بعدًا كونيًا. وعليه فللقرآن الكريم وهو الكتاب تعريفًا قرّاءٌ من كل العصور، ومن كل أصقاع الأرض، ومن كل الأقوام على اختلاف منازلها.

إن انتزاع النص من سياقه هو، كما نرى، الشرط اللازم والضروري لتعدده.

2 -3 - هل كلّ قراءة مشروعة؟

إن لنا أن نتساءل، وقد رأينا ما يتميز به التواصل الأدبي على نحو خاص، إن لم يكن لكل الحق بأن يقرأ النص وبأن يؤوله كما يحلو له. وبما أنه يندر أن يُقرأ نص أخرج من سياقه كما أراد مؤلفه منه حين باشر في كتابته أفليس من المنطقي والأمر كذلك أن نعزف عن كل محاولة لاستخلاص نية الكاتب الأساسية وغايته التي أراد من مؤلّفه؟ أوليس من المنطقي أن لا نرى في النص إلا ما يحلو لنا أن نراه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت