الصفحة 20 من 146

إن المعنى في العمل المكتوب أكبر من الواقعة التي يقصها ويتجاوزها. بمعنى أنه يتحرر من صفة العرضية التي تميز الحديث الشفهي. فالكلمة تخرج من الشفتين ثم تختفي إلى الأبد. ولكن الكتاب ينقذ المعنى عن طريق أربعة أشياء.

فهو يصونه من الضياع عن طريق تثبيته كتابة.

وهو يعزله عن مؤلفه فيطلقه من نية الكاتب.

وهو ينتزعه من حدود موقف المحادثة الشفهية الضيقة فيفتحه على العالم الواسع.

وهو يرتقي به إلى الشمولية إذ يجعل له جمهورًا لا ينفذ من القراء على مرّ العصور.

إن هذه الصفات الأربع تُبرز بجلاء إمكانيات النص المكتوب الرائعة. فبينما يموت الخطاب الشفهي مع اندثار الصوت واختفائه، يظل الخطاب المكتوب قائمًا على مرور الزمان. ولأن أبا عبيدة (728 - 825) والمفضّل الضبّي (ت780) وأبا عمر الشيباني (719 - 820) والأصمعي (740 - 828) قد جمعوا كتابة في القرنين الثامن والتاسع شعر طرفة بن العبد البكري الذي عاش في القرن السادس فإننا نصغي اليوم لنشيد الشاعر الجاهلي.

وإذ يفصم المكتوب الوشائج القوية التي تربط المتكلم بما يقول في موقف المحادثة الشفهية، فإنه يبيح للقارئ أن يرى في النص شيئًا آخر غير ما كان ينتويه كاتبه. وإن تنوع التأويلات التي تسمح بها مسرحيات شيكسبير (1564 - 1616) وتعددها يعود أساسًا إلى أننا نجهل كل شيء أو نكاد عن شخصية المؤلف وحياته. وبما أن الكاتب ليس بعد بيننا فينكر علينا هذه القراءة أو ذلك التفسير فإن ميدان المعاني يمكن أن يمتد إلى غير نهاية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت