وليست"الرسالة"الأدبية المكتوبة كذلك. فهي إذ تُقْطَع من سياقها تغدو نظامًا داخليًا مُغلَقًا ليس لعناصره المكوِّنة من معنى إلا من خلال علاقاتها المشتركة بعضها ببعض. وبما أننا لا نستطيع أن نحيل هذا العنصر المُكوِّن أو ذاك إلى السياق العام (الذي نجهله) فإننا نتلمّس وظيفته في قلب البناء العام الذي هو العمل الأدبي الذي نقرؤه. ويتم الأمر وكأن النص الأدبي ينشئ بالنسبة لقارئه نظام مرجعيته الخاص.
وخصوصية التواصل الكتابي هذه ليست مثلبةً أبدًا.
إن الخطاب الذي تحمله الحكاية مقطوع فعلًا عن الموقف المرجعي الذي تضمن معرفته الكاملة والدقيقة أن يتحقق الفعل اللغوي على نحوٍ كامل. ولكن هذا النقص البيّن لا يقضي أبدًا على خطاب الحكاية بالفشل ولكنه يشكّل نقطة انطلاق لإدراك ما يتميز به هذا الخطاب إدراكًا أفضل. فما قصور وعجزٌ في خطاب وظيفته الأساسية أن يخبر عن شيء ليس كذلك في الخطاب الروائي الذي يهدف كما نعرف إلى غايات أخرى.
2 -2 - مقام النص المقروء
يستمد العمل الأدبي ثراءه بالتحديد من خاصية التواصل المُؤخّر التي تميز النص المكتوب. وبما أن تلقي العمل الأدبي يحدث خارج إطاره الأصلي فإنه ينفتح على أكثر من تأويل ويقبل أكثر من تفسير. ذلك أن كل قارئ جديد يحمل معه تجربته الخاصة وثقافته الفردية وقيم عصره وهمومه وينظر إلى النص من خلالها.
وهكذا رأى بعضهم في نصوص الجدل دفاعًا عن آراء الشعوبية وأهل التسوية أو تفنيدًا لها والذي قام بين الجاحظ وابن قتيبة (828 - 889) وسهل بن هارون في القرن التاسع إرهاصًا بالقومية العربية وبالفكر القومي كما ظهرا في النصف الأول من القرن العشرين. وهكذا وجد بعض معاصري أبي العلاء المعري في رسالة الغفران إعلانًا عن الزندقة وخبث طوية أعمى المعرة. بينما يجد بعض معاصرينا في النصوص ذاتها صوغًا لشك منهجي سبق الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596 - 1650) وتعبيرًا عن نفسٍ معذّبة وقلقة.