الصفحة 18 من 146

إن أهم ما تتميز به القراءة إذا ما قارناها بالمحادثة الشفهية هو أنها تواصل مؤجّل إلى حين. فالكاتب بعيد عن قارئه في أغلب الأحيان. ويفصل بينهما الزمان والمكان معًا. ولنتخيل قارئًا من دمشق يقرأ اليوم رسالة ابن المقفّع (ت756) في الأدب الكبير.

والعلاقة بين الكاتب (المرسل) وقارئه (المتلقّي) هي علاقة غير متوازية البتة. ولهذه الميزة بطبيعة الحال نتائج هامة.

إن المحادثة الشفهية تتلافى الغموض أو سوء الفهم عن طريق إحالات دائمة وفورية إلى الوسط المكاني والمحيط الزماني الذي يشترك به المتكلّمون أطراف المحادثة. غير أن النص المكتوب يقع بين يديّ القارئ مقطوعًا عن وسطه المكاني بعيدًا عن محيطه الزماني وليس يشترك القارئ والكاتب في شبكة واحدة من المرجعية. فما يُحيل إليه أحدهما يجهله الآخر. وعليه فإن القارئ يتكئ على بنية النص، أي على نسيج علاقاته الداخلية، كي يخلق السياق العام الضروري لفهم النص المقروء.

وبينما يعتمد الحوار الشفهي القائم بين شخصين مثلًا اعتمادًا مستمرًا على الموقف الذي يجمعهما بصفته إطارًا يتم فيه التواصل بين الطرفين المتحاورين، فإن القارئ يدرك النص وكأنه موضوع مستقل قائم بذاته مغلق على نفسه.

فحين يلتقي رجلان مثلًا ويقول أحدهما للآخر:

-ذهبنا أمس لبرزة ورأينا صاحبنا.

فإن الآخر يدرك فورًا ما المقصود. برزة المدينة أم ضاحية برزة أم سوق برزة أم مدرسة معينة في برزة الخ .. ويعرف كذلك وبدون تردد ما المقصود بفعل (رأينا) . هل كانوا جماعة أم أن المتحدث يستخدم ضمير الجمع للدلالة على شخصه الفريد. وهل رأى الآخر رؤية العين حقًا وبالصدفة أم رآه عن عمد ليطلب إليه شيئًا يعرفه الطرفان. أم أن اللقاء هذا كان غير متوقع ("صاحبنا"هذا كان غائبًا) وبالتالي فإن المتكلم الأول يعلن للآخر عن دهشته .. الخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت