ومهما يكن نوع النص الأدبي فإنه يدعو دائمًا قارئه دعاء سافرًا أو مستترًا بإلحاح قد يقوى أو يضعُف، إلى تبنّي موقف ما. ومع ذلك فللقارئ الحق بأن يأخذ بالحجج المطروحة أو أن يرميها، ويستطيع كذلك أن يرضى بالنقاش القائم أو يشيح عنه.
1 -5 - القراءة نشاط رمزي
إن المعنى الذي يستخلصه القارئ من قراءته (بردة أفعاله أمام القصة المسرودة، وبتأثره بالحجج المعروضة وبتعدد زوايا السرد والرواة) يمضي مباشرة ليتخذ مكانًا له في البيئة الثقافية التي يعيش فيها ذلك القارئ.
وكل قراءة تؤثر وتتأثر معًا بالثقافة وبالبنية السائدة في عصر ما وفي بيئة ما. وسيان أنكرت القراءة النماذج الفكرية المهيمنة في الخيال الجماعي أو عزّزت من مواقعها فإنها تؤثر بها فتؤكد بذلك بعدها الرمزي. ويكتسب المعنى الذي ترتديه قراءة ما في وسط ما أهميته بالنسبة لبقية أشياء العالم التي يألفها القارئ في ذلك الوسط. ويثبت هذا المعنى في خيال ذلك القارئ. وبما أن هذا القارئ ينتمي بالضرورة إلى مجموعة بشرية وإلى خيال جماعي تتميز به هذه الجماعة عن غيرها من الأقوام فإن المعنى الذي ثبت في خياله يرفد كذلك الخيال الجماعي.
وهكذا فإن القراءة الفردية تظهر هنا كجزء لا يتجزأ من ثقافة جماعية. ونحن نعرف الآن كيف أثّرت كتابات الثلث الأول من القرن العشرين تأثيرًا كبيرًا في تطوّر المجتمع العربي الثقافي. فإذا ذكرنا أن طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي (حلب، سورية 1848 - 1902) وتحرير المرأة لقاسم أمين
(1865 - 1908) والشعر الجاهلي لطه حسين (المغاغة، مصر 1889 - 1973) ومسألة الحكم في الإسلام لعلي عبد الرزاق قد ظهرت جميعها بين عام 1900 وعام 1925 أدركنا كيف يمكن للقراءة أن تغير من الذهنية الاجتماعية خلال بضع سنوات!.
2 -القراءة تواصل مؤخّر!
2 -1 - شروط فعالية القراءة