وإذا استخدمنا مصطلحات النظرية التداولية في النقد قلنا بأن النية في تعديل سلوك من يتوجه إليه الخطاب والتأثير عليه هي صفة لازمة في النصوص الروائية. فالسرد، أي ما يقوم به الحاكي حين يروي حكايته، يسعى إلى أن يقود المؤوِّل الغائب (أي القارئ الذي يقرأ النص المسرود) أو القارئ الحاضر (المستمع الذي يصغي للنص المروي) إلى تبني خاتمة ما أو إلى الإعراض عنها. ونية الإقناع هذه موجودة في كل حكاية سيان ظهرت واضحة جلية أم توارت عن عين القارئ المتسرّع.
وتظهر الوظيفة الحجاجية بوضوح في الروايات التي تنافح عن فكرة ما أو تدافع عن قضية محددة. كأغلب روايات حنا مينه التي تهدف إلى إقناع القارئ بصحة موقف الطبقات الكادحة السورية أو كبعض الروايات التي تريد تصوير فساد المدينة الجديدة كما في رواية عبد النبي حجازي (جيرود، سورية 1938) قارب الزمن الثقيل (1970) أو في رواية أحمد يوسف داوود (طرطوس سورية 1945) دمشق الجميلة (1977) .
ولكننا نجد هذه الوظيفة كذلك في نصوص تنتمي إلى أنواع أدبية أخرى. فالجاحظ يحاول مثلًا في كتابه البخلاء أن يعدل من طريقة القارئ في النظر إلى مسألة الشح من خلال عرضه لوجهات نظر متباينة حول هذا الموضوع. فهو يترك سهل بن هارون وأبا يوسف الكندي يشرحان لنا كيف يكون البخل صلاحًا والشح اقتصادًا. ويكاد القارئ يوافقهما الرأي ويقرّهما على ما هما فيه. ثم يدعو أبو عثمان آخرين فيذمّون البخل ويظهرون مساوئه ويردون على حجج سهل بن هارون وصاحبه بحجج أخرى لا تقل عنها بلاغة ولا إقناعًا. ويصبح من الصعب بعدها على القارئ أن يطرح وجهة نظر هؤلاء كاملة ليتبنى رأي أولئك بمجموعه. فكل منظور يلغي الآخر. وكل طريقة لها ما يدعمها. وهكذا يقود أبو عثمان عمرو بن بحر قارئه قودًا هيّنًا إلى غايته الأولى وإلى نيّته الأساسية. وهي نسبية الإحالة المرجعية وتعذّر تبني أحكام مطلقة.