وبطبيعة الحال فإن هناك سبيلًا وسطًا بين السعي حثيثًا إلى نهاية الكتاب لمعرفة خاتمة الأحداث وبين القراءة المتأنية التي تهدف إلى فهم تفاصيله الدقيقة. ويمكن أن نجمع بين القراءتين بأن نأخذ من كل منهما بنصيب قد يكبر أو يصغر. ومهما يكن الأمر، وفي جميع الأحوال فإن عملية القراءة تتطلب كفاءة. ويفترض النص أن القارئ يمتلك حدًا أدنى منها إذ يرغب بمتابعة القراءة.
1 -3 - القراءة نشاط عاطفي
تكمن جاذبية القراءة إلى درجة كبيرة في الأحاسيس التي تثيرها فينا. وإذا كان تلقي النص يعبئ عند قارئه ملكاته الفكرية فإنه يهيج كذلك، وربما على نحو أشد، نزعاته العاطفية. فالأحاسيس هي التي تقوم خلف مبدأ تقمص القارئ للشخصيات الروائية. وهذا المبدأ هو المحرك الأساسي لقراءة الأعمال المتخيلة. ولأن الشخصيات الروائية تثير استحساننا أو استنكارنا ولأنها توقظ فينا الغيرة أو الشفقة والمودة أو البغضاء فإننا نهتم بمصائرها ويشغل بالنا ما يقع لها من خير أو شر. ولقد أشار الناقد الروسي توماشفسكي Tomachevski ومنذ مطلع القرن العشرين إلى أهمية العواطف الأولى في"لعبة"النص. وكلما كبُرت موهبة الكاتب كلما كبرت صعوبتنا بأن نقاوم سيطرته على انفعالاتنا وكلما ازدادت كذلك قوة نصِّه على الإقناع. وقوة الإقناع هذه هي منبع افتتاننا بالنص الأدبي وسبب تأثرها به وذلك لأنها إحدى وسائل التعليم والتبشير.
ولقد أشار فرويد Freud كذلك إلى ضعف مقاومتنا العاطفية هذه. وكان يرى أنها سبب انخراطنا في عالم النص الروائي وهي بالتالي سبب العظة التي نستخلصها من تلك التجربة. وذلك لأننا جميعًا وعلى وجه العموم نظل سلبيين أمام شؤون الحياة اليومية وممتثلين لنتائجها. ولكننا نستكين لنداء الشاعر وهو يستطيع بفضل الحالة النفسية التي يثيرها فينا وعن طريق الآمال التي يلوِّح بها أمامنا أن يعبث بعواطفنا فيوجهها حيث يشاء.