الصفحة 13 من 146

وقد يظل فهم القارئ ضمن حده الأدنى، وهو يكتفي عندها بأن يرافق الأحداث الجارية أمام ناظريه. فينصب اهتمامه على توالي الأحداث وليس له من هم إلا أن يبلغ نهاية الكتاب وخاتمة وقائعه. وهو ما يحدث على الأغلب عندما نقرأ روايات بوليسية أو ذات لغز بوليسي كأعمال الكاتبة الانكليزية أجاتا كريستي (1891 - ... ) أو عندما نقرأ روايات تعتمد المغامرة كعنصر جذاب كروايات جرجي زيدان (لبنان 1861 - القاهرة 1914) التاريخية الانقلاب العثماني (1911) أو أسير المتمهدي (1892) مثلًا. وهو ما يحدث كذلك في النصوص الأدبية التي تبني حبكتها حول التشويق الغرامي كما في بعض روايات إحسان عبد القدوس (القاهرة 1919 - 1990) الناجحة (في بيتنا رجل، 1957) .

ويقع نقيض ذلك حين يكون النص أصعب أو أعقد. فعندها يستطيع القارئ أن يهمل تعاقب الأحداث في سبيل تأويلها. فيتوقف عند هذا المقطع أو ذاك يُعمل فيه نظره ويسعى لإدراك كل معانيه المضمرة وكل تفسيراته الممكنة.

والحقيقة أن نشاط القراءة في النصوص الأولى يمضي قدمًا في سبل الحبكة الروائية ومنعطفاتها. وهو لا ينظر إلا إلى رقعة النص وانتشارها. ولا يعبر اهتمامه قط لتراكيب اللغة وبنى جملها. فحين يقرأ أحدنا يوسف السباعي (القاهرة 1917 - قبرص 1978) فإنه يقرأ بسرعة فائقة وإذا أهمل شيئًا من خطاب الكاتب فإنه بدون ريب لا يفقد شيئًا يعيق قراءته. وأما قراءة النصوص الأخرى فإنها لا تُفلت شيئًا وهي تتفحص كل شيء وتلتصق بنصها التصاقًا. فهي إذا صح القول قراءة مجتهدة ومتحمسة. وهي تطارد في كل نقطة من نقاط النص مهارة الفن وإتقان الصنعة. وهي تبحث باستمرار عما يربط أطراف الجملة ببعضها وعما يربط الجمل ببعضها وليس ما يربط وقائع الحبكة وأحداثها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت