ولقد أثبتت تلك الدراسات كذلك أن حركة النظرة ليست أفقية ولا متناسقة. ولكنها تقفز قفزات مفاجئة ومتقطعة تفصل بينها وقفات قد تطول أو تقصر. ويتراوح طول هذه الوقفات بين ربع الثانية وثلثها. وهذه الوقفات هي ما يسمح لنا بإدراك الحروف. فخلال هذه الوقفات"تسجّل"العين سبعة أو ثمانية رموز وتستبق في نفس الوقت بقية الرموز"فتلقي نظرة"عليها بفضل محيط العين الجانبي.
ويسهل على القارئ إدراك رموز الخط بقدر ما يكون النص المقروء مؤلفًا من كلمات قصيرة مألوفة قديمة وسهلة ذات معانٍ متعددة. ومن جهة أخرى فإن قدرة الذاكرة المباشرة تتراوح بين ثمان كلمات وست عشرة كلمة. وهذا يعني أن أفضل الجمل تلاؤمًا مع هذا الاستعداد الذهني الطبيعي هي الجمل القصيرة ذات البنية المتماسكة. ولقد لفت ريشودو النظر إلى أن إهمال الكاتب لشروط"المقروئية"العامة هذه قد يتسبب في أن ينزلق القارئ في سبل معانٍ كثيرة. وعندها لا يكون النص"المقروء"عين النص"المكتوب".
وانزلاق معنى النص ليس أمرًا نادرًا في ميدان الأدب. ولنذكر غموض الصوغ عند أبي تمام (779 - 845) أو وحشية مفرداته وما آلت من صعوبات شتى في التأويل. ولنذكر من بين معاصرينا أسلوب حيدر حيدر(سورية
1936)في روايته المضنية الزمن الموحش (1973) أو رواية ادوار خراط (مصر 1926) المعقدة رامة والتنين (1980) .
إن هذا وحده يكفي للدلالة على أن فعل القراءة ذاته هو نشاط ذاتي إلى درجة بعيدة. وهكذا فإن القراءة تظهر، حين ننظر إليها من جانبها الفيزيائي العضوي، على أنها نشاط استباقٍ وتنظيم وتأويل.
1 -2 - القراءة نشاط معرفي
بعد أن ينظر القارئ إلى رموز الخط وبعد أن"يفكّها"يحاول عندها أن يفهم ما الأمر وعما يدور الحديث. إن تحويل الكلمات أو"رزم الكلمات"إلى عناصر ذات معنى يفترض أن يبذل القارئ جهدًا كبيرًا للتجريد.