يقولُ أبو عُبيد البكري: « هذا كتابٌ نبَّهتُ فيه على أوهام أبي عليّ ـ رحمه الله ـ في أماليه ، تنبيهَ المُنصفِ لا المتعسفِ ولا المعاند ، محتجًّا على جميعِ ذلك بالشاهدِ والدليلِ ؛ فإنِّي رأيتُ مَنْ تولَّى مثلَ هذا مِن الردِّ على العلماء ، والإصلاحِ لأغلاطِهم ، والتنبيهِ على أوهامِهم ، لم يعدِلْ في كثيرٍ مما ردَّه عليهم ، ولا أنصف في جُمَلٍ مما نسبه إليهم ... » (1) .
فيجبُ أنْ يتحلَّى الناقدُ « بروح الإنصاف التي تتجلَّى في النقدِ البنَّاء بعيدًا عما نقرؤه مِنْ غثاءِ النقدِ ، الذي لا يكادُ يخرجُ عن أحدِ موقفين:
موقف التحيز ؛ حيث يُكالُ المديحُ جزافًا دون حسابٍ على مبدأ:
وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ (2)
أو موقف التحيف ؛ حيث يُصَبُّ الهجاءُ اعتباطًا دون أنْ يقتصرَ على الأثرِ الأدبي ، بل يتجاوزه إلى تجريحِ المؤلِّفِ والنيلِ منه ... ، في أسلوبٍ أبعد ما يكون عن الموضوعية واللباقة الاجتماعية » (3) .
وصدق الله العظيم إذ قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المائدة/8] ، وقال أيضًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } [الأحزاب/70] .
(1) التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه ص 15 ، طبع مع ذيل الأمالي والنوادر للقالي ، وانظر أيضًا سمط اللآلي في شرح أمالي القالي 1/4 .
(2) صدر بيت من الطويل ، وعجزه:
.ولكنَّ عينَ السُّخط تُبدى المساويا
وهو للشافعي في ديوانه ص 111 ، تح . د / خفاجي ، وورد منسوبًا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله الجعفري في الأغاني 12/250 ، وثمار القلوب ص 327 .
(3) من كلام الدكتور/ عبد القدوس أبو صالح ، محقق ديوان ( يزيد بن مفرغ الحميري ) ص 247 ، في رده على الدكتور / أحمد محمد الضبيب ، الذي نقد الأول في نشرته لديوان ( يزيد بن مفرغ الحميري ) ، ونشر نقده لهذا الديوان في كتابه ( على مرافئ التراث ) ط دار العلوم بالرياض (1401هـ 1981م) .