ويظهرُ لي أنَّ السببَ في منعِ أبي حيان وابنِ هِشام ، وقوعَ ( أنَّ ) المشددة بعد ( عَسَى ) ـ فيكون المصدر المؤول إما فاعلًا إنْ كانت ( عَسَى ) تامةً ، وإما خبرًا إنْ كانت ( عَسَى ) ناقصةً ـ هو عدمُ سماعِهما لذلك ، ولكني وجدتُ شاهدين على وقوع فاعل ( عَسَى ) مصدرًا مؤولًا مِنْ ( أنَّ ) المشددة ومعموليها:
الأول في ديوان الفرزدق ؛ حيث قال:
غَضِبْنا لكمْ يا آلَ مرْوانَ فاغضبوا
عَسَى أنَّ أرواحًا يسُوغُ طعامُها (1)
والآخر في ديوان مجنون ليلى ؛ حيث قال:
أجبتُ بليلى مَنْ دعاني تجلُّدًّا
عَسَى أنَّ كربي ينجلي فأعودُ (2)
فتكونُ إجازةُ السمين الحلبي لذلك لها وجه .
2/463 ، 644 تحدث السمين الحلبي عن توجيه قراءة مجاهد: { أنْ يُتِمُّ الرضاعةَ } فذكر أنَّ فيها قولين:
أحدهما: قول البصريين ، وهو أنَّ ( أنْ ) هي الناصبة للفعل أُهملت حملًا على ( ما ) أختها لاشتراكهما في المصدرية .
والثاني: قول الكوفيين ، وهو أنَّ ( أنْ ) مخففة مِن الثقيلة وشذَّ وقوعها موقع الناصبة .
ولم يعلق المحقق على ذلك بشيء ، وانظر أيضًا4/365 ، 366.
أقول: إنَّ نسبة هذا القول ـ أعني: أنَّ ( أنْ ) أُهملت حملًا على ( ما ) المصدرية ـ للبصريين ، ونسبة القول بأنَّ ( أنْ ) مخففة من الثقيلة شذَّ اتصالها بالفعل الخبري المتصرف إلى الكوفيين وردت في: التسهيل ص 228 ، وشرحه 2/44 ، 4/10 ، وارتشاف الضرب 4/1642 ، والبحر المحيط 2/223 ، وتوضيح المقاصد 4/1238 ، والجنى الداني ص 220 ، ومغني اللبيب ص 46 ، 717 ، والمساعد 3/61 ، وشفاء العليل 2/918 ، وهمع الهوامع 2/284 ، وشرح الأشموني 3/286 ، 287 ، والموفي في النحو الكوفي ص 150 .
وهذه النسبة فيها خلطٌ ، والحقُّ أنَّ البصريين هم الذين ذهبوا إلى أنَّ ( أنْ ) مخففة من الثقيلة ، وأن الكوفيين هم الذين ذهبوا إلى أنَّ ( أنْ ) أُهملت حملًا على ( ما ) ، وهذا ما صرَّح به العلماءُ الأوائل كأبي العباس ثعلب ، والفارسي ، وابن جني ، وابن يعيش ، وابن عصفور . انظر مجالس ثعلب 1/322 ، والخصائص 1/389 ، 390 ، وسر صناعة الإعراب 2/448 ، 449 ، 549 ، والمنصف 1/278 ، 279 ، وشرح المفصل 7/9 ، وضرائر الشعر ص 165 .
وقد ورد الرأيان بلا نسبةٍ في شرح الرضي لكافية ابن الحاجب القسم الثاني 2/835 .
(1) من الطويل ، في ديوانه 2/241 .
(2) من الطويل ، في ديوانه ص 69 .