أما رأي الكسائي فهو أنَّ المصدرَ المؤول في محل جرٍّ ، وأما رأي الفراء فهو أنَّه في محل نصب ، وقد صُرِّح بالرأيين في معاني القرآن للفراء 1/148 ، 2/238 .
وبهذا ندرك أيضًا أنَّ ما ورد في شرح ابن عقيل ـ حاشية الخضري 1/180 ، 181 مِنْ قوله: « ... فذهب الأخفش إلى أنَّهما في محل جر ، وذهب الكسائي إلى أنَّهما في محل نصب ، وذهب سيبويه إلى تجويز الوجهين » ، فيه سهو في بيان رأي الكسائي .
وانظر هذه المسألة في ارتشاف الضرب 4/2090 ، ومغني اللبيب ص 682 ، والمساعد 1/430 ، وتعليق الفرائد 5/15 ، 16 ، والتصريح 2/408 ، وهمع الهوامع 3/7 ، وحاشية الصبان 2/92 .
1/234 تحدث السمين الحلبي عن كلمة ( الفسق ) ثم قال: وزعم ابن الأنباري أنَّه لم يسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرها (فاسق) .
ثم ردَّه بقوله: وهذا منه عجيبٌ ، قال رؤبة:
يهوينَ في نجدٍ وغورًا غائرا
فواسقًا عن قصدها جوائرا
واكتفى المحقق بتخريج الرجز .
أقول: لا وجه لتعجب السمين الحلبي مِن ابن الأنباري ؛ لأنَّ ما استشهد به السمين ليس في محله ؛ لأنَّ رؤبة ليس جاهليًّا ، وابن الأنباري إنما أنكر ورود هذه الكلمة في كلام أهل الجاهلية شعرًا ونثرًا ، ولم يُنكر ورودها عمَّنْ بعدهم .
2/388 تحدث السمين الحلبي عن ( عسى ) ، ومما قاله: « وتكون تامةً إذا أسندت إلى ( أنْ ) أو ( أنَّ ) ... » .
ولم يعلق المحقق بشيء .
أقول: لم أجدْ أحدًا غير السمين الحلبي ـ فيما اطلعتُ عليه ـ ذكر أنَّ ( عَسَى ) يجوزُ أنْ تُسنَدَ إلى ( أنَّ ) ؛ فقد ذكر ابنُ هِشام في ( الحواشي ) و ( مغني اللبيب ) أنَّ مما اختصت به ( أنْ ) المخففة عن ( أنَّ ) المشددة وقوعَها في خبر ( عَسَى ) إنْ كانت ناقصةً ، وإسنادها إليها إنْ كانت تامةً ، فتقول:"عَسَى زيدٌ أنْ يقومَ ، و عَسَى أنْ تقومَ"، ولا يجوزُ وقوعُ المشددةِ موقعَها مع اتحادِهما في المصدرية ، فلا يجوزُ أنْ تقولَ:"عَسَى أنَّكَ قائمٌ" (1) .
وجديرٌ بالذكر أنَّه قد وقع في كلام ابن عطية في المحرر الوجيز ص 1149 ع 1: ( عَسَى أنَّ الساعةَ قريبةٌ ) .
وعقَّب عليه أبو حيان في البحر المحيط 6/46 بقوله: « وهو تركيبٌ لا يجوز ، لا تقول:"عَسَى أنَّ زيدًا قائمٌ"، بخلاف ( عَسَى أنْ يقومَ زيدٌ ) » .
(1) انظر مغني اللبيب ص 890 ، والتصريح 3/376 ، وحاشية الصبَّان 3/19 .