الصفحة 6 من 66

إن النوازل تترادف تترى فوق رؤوس المسلمين منذ أكثر من عشرة عقود ، فلا يجد أكثرها جهة جامعة تُنتدب لها ، أو قوة ماضية تنتصب لمواجهتها ، ففي الأعوام المائة الأخيرة فقط من حياة المسلمين ؛ تتابعت نوازل ، ووقعت كوائن ، ما كان لها أن تخلّف ما خلفت من مصائب مقيمة لو أن الأمة اصطفت وقتها خلف قيادات علمية وعملية تنزّل من الشريعة على هذه النوازل ما يعاجلها بالعلاج ، وما يناسبها من الأخذ بالأسباب .لقد اجتمع على الأمة من النوازل خلال المائة الماضية ما لم يجتمع عليها منذ أن أُخرجت للناس ، ومع ذلك فقد عبرت قوافل تلك النوازل غالبًا في طرق خالية خاوية دون عرقلة قوية مضادة ، أو مواجهة شرعية جادة ، بسبب تفرق خواص الأمة قبل عوامها ، ولهذا سلّمت كل أزمة زمامها للتي بعدها ، فتضاعفت خلال الأجيال حتى جاء جيلنا جيل الأزمات والملمات ؛ فوقف عاجزًا أو متعاجزًا بتفرُّقه وتشرذمه أمام جبل المسؤوليات ، منتظرًا حدوث الخوارق ووقوع المعجزات ، دون كثير اكتراث بما توجبه الشريعة من فروض وواجبات ، وعلى رأسها تجميع الكلمة خلف المنهج القويم ، ومواجهة الأعداء بصف مرصوص .

حقيقة أخرى ينبغي أن نصارح بها أنفسنا ، وهي أن من تأمل في معظم أحوال النوازل الحاضرة ؛ سيجد أن لها جذورًا قديمة من التقصير العام ، حيث كانت تجري في كل جيل عملية ( ترحيل ) للمسؤوليات إلى ما يسمى بـ( الجيل

القادم ).. وعندما يقدُم هذا الجيل ؛ فإنه يحيل أيضًا جزءًا كبيرًا من واجبات عصره وفرائض وقته إلى الجيل الذي يليه ، حتى تراكمت الواجبات والتكليفات ، وأصبحنا نعيش عصر نوازل عامة ، لا يشابهه عصر من العصور الإسلامية السابقة .

صحيح أن محنًا كثيرة مرت على المسلمين خلال التاريخ الإسلامي ، مثل سقوط الأندلس ووقوع بيت المقدس في يد الصليبيين ، واجتياح التتار لبلدان المشرق الإسلامي ، واستيلائهم على عاصمة الخلافة في بغداد ، ولكن تلك الكوارث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت