كان لا بد للسفينة أن تمضي وتسير مهما حاربتها الرياح وعرقلتها الأعاصير ، صحيح أن فصائل العمل الإسلامي لم تنسق مسبقًا لتوزيع الأدوار ، ولم تتفق قبلًا على تنويع المهام ، إلا أن الأمور سارت بقدر من الله نحو تكامل معقول أدى فيه العاملون للإسلام بمجموعهم ولا يزالون الكثير مما كان يجب أن تقوم به الأنظمة والحكومات ، تلك التي كانت في غالبها الأعم لا تكتفي بكف يدها عن الإصلاح الشرعي المطلوب لأحوال الأمة ، وإنما تعدت ذلك إلى سد الأبواب أمام المصلحين ، وفتحها أمام المفسدين والمنحرفين .
لقد كان هذا التكامل - غير المقصود - بين تخصصات العمل الإسلامي برهانًا على خيرية الأمة ، ودليلًا على قابلية التشريع ؛ لأن يعيش فيها وبها في ظل أحلك الظروف ، فحتى مع غياب (1) أخرجه أبو داود في سننه ، (3740) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599) .
الكيان الجامع المسؤول عن القيام بكل هذا في عالم المسلمين - أعني به نظام الدولة الواحدة ( الخلافة ) - فإن سفينة الإسلام سارت ولا تزال تسير - ويا للعجب - بغير ربان ولا قبطان .
وعندما أقول أنها سارت ولا تزال بلا ربان ولا قبطان ؛ فإني أعني بذلك غياب الولاية العالمية العامة للمسلمين ، بشقيها: السياسي والعلمي لنحو قرن من الزمان ، فلم يكن لهم طوال أكثر من قرن مضى ولاية سياسية موحدة تُخضع الجميع ، ولا ولاية علمية عامة تقنع الجميع وتجب لها طاعة الجميع كما أمر الله تعالى في قوله: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ] (النساء: 59) .