في ضوء الشموع [1]
في العدد (59) من صحيفة اليمامة اطَّلعتُ على كلمات متَّقدة متذمِّرة - إن صحَّ التعبير - في ثنايا شموعِ الأستاذ أنور زعلوك:
"ليس هناك حبٌّ ولا كراهية، ولا حِقْد، ولا شهامة، ولا أي معنى مِن هذه المعاني، لو كان هناك حبٌّ لاكتشفْنا صورتَه وشكلَه ومركباتِه، ولاستطعْنا أن نحقِّق به أنفسنا عندما نريد، وننفضه عندما نريد، ولكن لا، إنَّ كل إرادتك لا تساوي شيئًا، لأنَّك مخلوقٌ ضعيف، لا تستطيع شيئًا ... إنك تحبُّ رغمَ أنفك، لا أسباب، ولا حيثيات، هكذا خُلقت، وهكذا قَدَّر الله عليك، فاخضعْ أيُّها الإنسان، اخضعْ، فهذا نصيبك من الحياة، هذه هي الحياة التي رُزِئت بها".
هكذا يتحدَّث صاحبُ الشموع في ثورة، وبهذه اللهجة الساخِرة المتشائمة يندفِع في تثبيت سلبية صارخة، موغلة في الجَبْر، وماذا في ذاك؟ أليس الإنسان عجيبًا؟ ثم أليس هو في نظر الكاتب يكون سهمًا رغمَ أنفه، لا بأسباب، ولا حيثيات، وبناء عليه فليخضعِ الإنسان، وليخضعْ، فليس ثَمَّ طريقٌ قويم غير الاستسلام.
هذه هي النتيجة المؤسِفة التي توصَّل إليها الأستاذُ بعد التمهيد والمقدِّمات، وسمَّاها شموعًا، ومَن يدري، فقد تكون شموعًا محترِقة؟!
إنَّ ما يُثير الدهشة أن نسمع هذه الآراء التي تتنافَى صراحةً مع تعاليم الشَّرْع، ومقتضيات العقل والواقع؛ إذ إنَّها جميعًا تُقرِّر: أنَّ هناك أسبابًا، ومسببات، وأنَّ للمرْءِ قُدرة، ولقد شَجَب علماءُ السُّنة قديمًا رأيَ الجبرية المنكرِين قُدرةَ العبد، والقائلين: إنَّه كالريشة في مهبِّ الرِّيح، لا اختيارَ له، ولا قُدرة - تمامًا - كما يزعم الأستاذُ أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئًا، وأن ليس هناك أسبابٌ.
ولستُ بصدد بَسْطِ الأدلة وسَرْدِها، فهي من الكثرة بحيث أستغربُ أشدَّ الاستغراب ما تضمنتْه تلك الكلمات! سيَّما ونحن في عصْر العمل السريع - أو عصر الذَّرَّة كما يُسمُّونه - فأيَّ وصمة يوصَم بها المسلمون، لو أنَّهم نادَوْا بهذه الفِكرة الخاطئة في هذا العصر؟! وأيّ تدهور سيلاقونه؟ فأي تثبيط للهِمم يبلغ مبلغَ هذه النظرية الداعية للخمول ونبذ الأسباب؟!
لا شيءَ يخدم المستعمرين مثل هذه الدعوة الخَطِرة، وبعدُ:
فالمسلمون اليوم في بداية يَقَظِة جديدة؛ لِيَستدركوا ما سُبِقوا إليه من التقدُّم في الصناعة والقوَّة، وليَنفُضوا عنهم غُبارَ الجهل الذي تراكم عليهم آمادًا طويلة حينما أعْرضوا عن تعاليم الدِّين الحنيف،
(1) نشرت في صحيفة اليمامة العدد (61) في 28/ 5/1376هـ.