حول الطبيعة والإنسان [1]
طالعتُ في صحيفة البلاد كلمة بعنوان: الطبيعة والإنسان في العدد (140) ، بتوقيع خالد الشعراوي، وقد دهشتُ لوجود بعض كلمات وردتْ في كلمته المشار إليها، كهذه العبارة:"قبل أن يوجد الإنسان، وقبلما نَرَى الحياة تدبُّ دبيبَها على وجه الأرض، كانت الطبيعةُ هي المسيطرة على المكوِّنات الأرضية، وكانت للطبيعة قُواها وخوارقها"!
ثم يَذْكر مقارناتٍ بين قُوى الإنسان وقُوى الطبيعة - على حدِّ تعبيره - كالجِبال الشاهقة، والمحيطات العظيمة، والسُّفن الهائلة، والسماء والنُّجوم والأقمار، إلى الأنهار الضخْمة التي تَنفجِر مياهها وتنساب على الأرض، فتبعث الحياةَ والحركة فيها - كلُّ ذلك من عمل الطبيعة، وكلُّ ذلك من إنتاج الخوارق الطبيعية، التي يعجز الإنسانُ عن الإتيان بمثلها، ومثل قوتها إلى الأبد!
هكذا يتكلَّم صاحبُ كلمة"الطبيعة والإنسان"، فهو يرى أنَّ كل هذه الأشياء الكونية هي مِن عمل الطبيعة، وإنتاج الخوارق، وإنه لعجب أن يستسيغ التفوُّه بهذا الكلام، وينسب ما في الكون لصُنع الطبيعة، وكان الواجب عليه - كمسلِم له عقل يميِّز به - أن ينسبَ الأمر إلى مستحقِّه، والمخلوق إلى خالقه لا إلى الطبيعة المخلوقة، ومع أنَّا نُحسِن الظن بالكاتب، إلاَّ أنَّ هذا لا يمنعنا من إبداء الحقيقة، والجهْر بالصواب، وكان المفروض ألاَّ يتسرَّع بإطلاق مثل هذه الكلمات، التي قد تؤول إلى السَّيْر في رِكاب الفلاسفة (الملحدين) ، ومَن حذَا حَذْوَهم.
إنَّ البشر والكون وجميعَ الأشياء، مخلوقةٌ لله، وإنَّ السموات السبع، والأَرَضين السبع تُسبِّح لله العليِّ القدير، كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [فاطر: 3] .
{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعرَاف: 185] .
{أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20] .
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] .
هذه الآيات العظيمة التي أَمَرَنا الله بالتفكُّر فيها، والاعتبار بما فيها من إبداع وإحكام؛ لنستدلَّ بها على عظمة الخالق، وأنَّه المستحقُّ لأنْ يُفردَ بالعبادة والذلِّ والخضوع؛ لأنَّ الإقرار بوجود الرب أمرٌ
(1) نشرت في صحيفة البلاد العدد (148) في 23/ 1/1379هـ.