الصفحة 6 من 114

والأمطار فهو الكرع، وقد أكرعوه إبلهم فكرعت فيه، وسقوها بالكرع، وشرع إبله وشرعها أوردها شريعة الماء فشربت ولم يستقِ لها، وفي المثل"أهون السقي التشريع"؛ وذلك لأن مورِّد الإبل إذا ورد بها الشريعة لم يتعب في إسقاء الماء لها كما يتعب إذا كان الماء بعيدًا.

والشريعة موضع على شاطئ البحر تشرع فيه الدواب، والشريعة والشرعة ما سنَّ الله من الدين وأمر به؛ كالصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، وسائر أعمال البرِّ مشتقٌّ من شاطئ البحر عن كراع، ومنه قوله - تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ} [الجاثية: 18] ، وقوله - تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المَائدة: 48] ، قيل في تفسيره: الشرعة في الدين والمنهاج: الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق هاهنا الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتي به بألفاظ يؤكِّد بها القصة، والأمر كما قال عنترة:

أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ

فمعنى أقوى وأقفر واحد على الخلوة، إلا أن اللفظين أَوْكد في الخلوة، وقال محمد بن يزيد: شرعة معناها ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، وقال ابن عباس: شرعة ومنهاجًا: سبيلًا وسنة، وقال قتادة: شرعة ومنهاجًا: الدين واحد والشريعة مختلفة، وقال الفرَّاء في قوله - تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ} [الجَاثيَة: 18] : على دين وملة ومنهاج، وكل ذلك يقال، وقال القتيبي: على شريعة: على مثال ومذهب، ومنه يقال: شرع فلان في كذا وكذا إذا أخذ فيه، ومنه مشارع الماء: وهي الفرض التي تشرع فيها الواردة، ويقال فلان يشترع شرعته ويفتطر فطرته، ويمثل مِلَّته كل ذلك من شرع الدين وفطرته وشرع الدين يشرعه شرعًا سنَّه، وفي التنزيل: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشّورى: 13] ، قال ابن الأعرابي: شرع؛ أي: ظهر وقال في قوله: {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشّورى: 21] : قال: أظهروا لهم، وقال الأزهري: معنى شرع: بيِّن وأوضح.

وقيل في قوله {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشّورى: 13] : أن نوحًا أول مَن أتى بتحريم البنات والأخوات والأمهات، وقوله - عز وجل: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الشّورى: 13] ؛ أي: وشرع لكم ما أوحينا إليك، وما وصينا به الأنبياء قبلك.

وقال الشاطبي: إن معنى الشريعة: أنها تحدُّ للمكلَّفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمَّنته، وفي القرآن {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجَاثيَة: 18] ، وبما ذكرنا يعلم أن الشريعة شاملة للاعتقادات والأحكام العملية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت