الصفحة 58 من 114

لقد سَبَق الإسلامُ الحكوماتِ الأوربية في التوحيد بين الأمم، والتقارُبِ بين الشعوب بما أقرَّه من وجوب الحجِّ على كلِّ مسلم يستطيع إلى الحج سبيلًا، ولعمري إنَّ هذه الديمقراطية والأُخوَّة التي أقرَّها الإسلام، وجعلها عامَّة بين أتباعه لَمِمَّا يُخْجِل الجماعاتِ الأخرى التي لم تَفْطن لها، ولا دعتْ إليها.

وتقول في هذا الكتاب: وإنَّ مِن طرافة الإسلام هذا السلامَ الذي أمر به القرآن أمرًا فقال: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] ، ألاَ ترى إلى هذا الإغراق في السلام، يودُّ الواحد من المؤمنين أن يفوزَ على رفيقه في القيام بهذا الواجب، فهذا الكبيرُ وهذا الصغير، وهذا الحرُّ وهذا العبد، كلٌّ يُسلِّم على الآخر بمثل الحرارة التي يسلِّم بها الرفيعُ على مثيله، والشريف على نِدِّه.

ولعمري، إذا لم يكن في الإسلام إلاَّ هذه الأُخوَّة التي قتلتِ التفرقة، وجعلت من الإنسانية شخصًا واحدًا، لا يعلو واحدُها على رفيقه إلاَّ بالتقوى والعمل الصالح، لكَفَى، ولكان الإسلامُ من خير الأديان، وأقربها إلى الله، وأرفعها درجات.

ولقد أشار المستر بيكشول - الكاتبُ الإنكليزي - إلى هذه الظاهرة الغريبة الفذَّة في تاريخ الإنسانية، وراح يضرب الأمثالَ بهذا الاختلاف العظيم، يعمُّ الغربَ من أقصاه إلى أقصاه، ويتصل بين المرء وولده، وشقيقه ونسيبه وجاره.

وكيف أنَّ الإسلام يقف وحيدًا في هذه الظاهرة، حيث تقوم الأُخوَّة الإسلامية فيه مقامَ العصبية والجوار، وغيرها من الصِّلات والعُرَى.

وتتحدَّث كثيرًا في هذا الكتاب عن مزايا الإسلام وفضائله العظيمة، وتقول بعد ذلك: ولقد كان العَربُ قبل محمَّد لا شأنَ لها، ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلمَّا جاء محمدٌ خَلَق هذه الأمَّة خلقًا جديدًا، يصحُّ أن يكون أقربَ إلى المعجزات، فغلبتِ العالَم، وحَكمتْ فيه أجيالًا وأجيالًا، حتى دبَّ فيها الفساد، وتطرَّق إليها الترف، فانهارتْ حضارتُها، وانطفأت معالمها، وأُصيب العالَم والحضارة من سقوط العَرَب وانهيار سلطانهم بخسارة لا تُعوَّض.

وفي موضع آخر من الكتاب تُشير إلى تعدُّد الزوجات في الإسلام، وتورد ما كتَبَه المستر بيكتول في قوله:

يقول بعضُهم: إنَّ تعدُّد الزوجات من الواجبات في الإسلام، والواقع أنَّ الأمر غير ذلك، فتعدُّد الزوجات ليس في الإسلام واجبًا، وهو في الحقيقة مثله في المسيحية، وقد كان تعدُّد الزوجات من سنوات أمرًا واقعًا في المسيحية، ولكنَّه ألاَ يصح أن يُنظرَ إليه نظرة حقٍّ وعدل؟ خصوصًا وأنه يرفع بعضَ الحيف عن المرأة، ويقرِّر لها مركزًا تحاول المدنية الغربية إغفالَه، ذلك أنَّ الزواج الواحد لم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت