والإسلام كلمة تعني التسليم لله، وهي تعني السلامَ أيضًا، ويُعرف المسلِم بأنَّه الرجل الذي يسير في حياته وَفقًا لمشيئة خالقِه، وأوامر ربِّه، والذي يعيش بسلام مع الله وعباده، ولعلَّ أجمل ما في الإسلام ما يضطرب فيه مِن وحدانية إلهية، وأُخوَّة إنسانية، وخلوه من التقاليد والبِدع، والْتصاقه اللصوقَ كلَّه بما في الحياة من أمور عملية.
والإيمانُ في القرآن إنَّما يقوم على العمل الصالِح، وليس هناك في الإسلام إيمانٌ دون ما عمل صالح أبدًا، وهذا ما يجده المرء مردَّدًا في القرآن غيرَ مرَّة في مختلف سُوره، وشتَّى آياته.
ولقد فَرَض الإسلامُ الحجَّ على المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فالمريض معذور، والفقير كذلك، والمستعبَد أيضًا، ويُشترط في الحج أن تكون الطريقُ إليه خلوًا من الخطر، لا ينتظم فيها مرضٌ ولا ظُلامة، أمَّا الحج نفسُه فليس مَن يُنكِرُ كبيرَ شأنه، وعظيمَ خطره، وما يغمر النفس فيه من انطلاق إلى المُثل الرُّوحيَّة العُليا، وانفلات من أعراض الدنيا، والتوجُّه إلى الله بقلْب سليم مع هذه الألوف المؤلَّفة من البشَر على اختلاف أمصارهم، وتباعُد لُغاتهم، وتَعدُّد مشاربهم وأذواقهم، يأتون مِن أقصى الأرْض، ويتحمَّلون في طريقهم من المشقَّات، واضطراب السُّبُل، وبُعْد المسافات ما ليس بالإمكان تقديرُه ولا تصوُّرُه، وكل ذلك ليقفوا في صعيد واحد أمامَ الله - جلَّ شأنُه - يتقدَّمون إليه بقلوب صافية، وأفئدِة ملتهبة، ودموع جارية.
ليس له مثيلٌ في العالَم كله، ولعمري إنَّ في زيارة هذه الأرض التي نشأ فيها محمَّد، ودعا إلى عبادة الله وحدَه على أديمها وعُذِّب وأوذي، وحورب في سبيل دعوته، هذه لَمِمَّا يُعيد ذِكْر التضحيات الهائلة التي لاقاها، والأهوال التي عاناها.
ودعوةُ البشرية إلى هذه الأرض مرَّةً في كلِّ عام يُعيد هذه الذكرياتِ ويُغذيها، ويُقرِّب الناسَ إلى الله - جل جلاله - ويزيد في نور هذه الشعلة الإلهية التي أنارتِ العالَم كله.
ومن فوائد الحجِّ أنَّه يُوطِّد الوَحْدةَ الإسلامية، ويُغذي الأُخوَّة التي أنشأها محمَّد، ودعا إليها وهو يدعو المسلِمين في كلِّ عام مرَّة واحدة إلى التعارُف والتقارُب، والتحدُّث إلى بعضهم بعضًا؛ ليتعرَّفَ المسلِم بواسطته على أحوال إخوانه في الإسلام، وشأنهم وأمورهم وأحوالهم، ويذكِّرهم بأنهم إخوان، وأنَّه لا فرق في الإسلام بين أبيضَ وأسود، وكبيرٍ وصغير، فإذا انتهَوْا من واجباتهم الدِّينية أخذوا بأطراف الحديث في ما يتَّصل بتِجارتهم ومعاشِهم، وقصصهم وأخبارهم، وأدبهم وعلومهم.
فالحجُّ - والحالةُ هذه - ليس فرضًا دينيًّا فحسبُ، وإنما إلى ذلك كله جمعية أُمم عُظمَى، ومجامع مختلفة في الفنِّ والأدب، والتجارة والسياسة، وغير ذلك من ألوان الحياة.
ولقد أشار إلى هذه الظاهرة الخطيرة الأستاذ (سنوك) فقال: