الصفحة 56 من 114

الهِداية الإسلامية، فكانوا يَرَوْن بأعينهم من سيرة أهل هذه الهداية ما يُبْهر النظرَ نورًا، وكانوا يسمعون بآذانهم ما يملأ القلبَ حقًّا وإيمانًا؛ لذلك صاروا يدخلون في دِين الله أفواجًا، وكان للإسلام بذلك القُوَّة العظمى التي مهَّدتْ لفتح مكة، وإعلاء كلمة الله، فلا يعلو عليها شيءٌ فتبيَّن للذين تلقَّوا صدمة تلك الشروط القاسية في الحديبية أنَّ هذه المواقفَ وأمثالَها ليس من شأنها أن تحولَ بين الحق وبين ما يستحقُّه من فوز.

ثم قال: إنَّ صوتًا عُلويًّا نسمعه الآن من الحُديبية يُنادينا بأنَّ في الإمكان - بالرغم مما صرنا إليه من التجرُّد من القوَّة - أن نلم شعثنا، ونعود إلى نشْر هداية ديننا، وأن نُبلِّغَ هذه الهدايةَ إلى البشر أجمعَ، فالشعوب اليوم أشدُّ إصغاءً إلينا منها في العصور السابقة؛ لأنَّ المشادة بين القوَّة والقسوة قد تكون سببًا للصدود عن الإصغاء إلى الحقِّ، فلَمْ يبقَ على المسلمين إلاَّ أن يعملوا، والعمل يومئذٍ ممكن جدًّا، ولكنَّ له شرطًا واحدًا، ولا مناص من تحقيق هذا الشرط، وهو أن نكون الآن متحلِّين بالصفات التي كان متحليًا بها مسلمو الحُديبية.

فالمسلِم المعاصر إذا تحلَّى بالأخلاق الإسلامية الأُولى مِن صِدْق واستقامة، وحَزْم وعِزَّة نفس، وسَعَى للخير جهد الطاقة، كان من وراء هذه الأخلاق قُوَّة تستمد الدعوة منها، فينتشر الإسلام حتى يعمَّ الأرض، والشُّعوبُ إنما تنظر إلى أهل الدِّين قبلَ أن تنظر إلى الدِّين نفسه.

وأضرب لكم المثل بالإسلام في الهِند، فإنَّ إلى جانب مسلِمي الهند ملايينَ كثيرةً من مواطنيهم الوثنيِّين، وإنَّ منهم مَن إذا أصغى إلى مبادئ الإسلام، وتأمَّل فيها بهرتْه، وقال: إنَّ هذا هو الحق، وإنَّ هذا هو الذي يجب أن يَدين به كلُّ إنسان، لكنَّه لا يملك نفسه بعد ذلك: أن يسأل، ولماذا المسلمون أنفسُهم لا يعملون بهذه المبادئ؟! ولماذا لا يهتدون بهذه الهداية؟!

هذه هي العقبة الحقيقية الواقعة في سبيل انتشارِ الإسلام، فلا بدَّ من تذليلها، وليس بعدَ ذلك ما يحول بين الإسلام، وبين أن يكون دِينَ الإنسانية.

وقال الأستاذ عبدالله كوليام - وهو إنكليزي اعتنق الإسلام، وصار داعية مخلصًا - قال في محاضرة له عن الإسلام والرسول:

إنَّ هذا المصلِح الكبير جاء البشرَ بالرسالة، ودعا الناس إلى الخير، ومع ذلك فقد نالَه من الأذى والاضطهاد ما يَجدُه كلُّ مصلح عظيم يعمل على خير الإنسانية، فلما تبيَّن البشرُ فضلَه بعد قليل دخلوا في دِينه أفواجًا، وما زالوا كذلك حتى بلغوا الآن مئات الملايين في جميع أطراف المعمورة.

وقالت اللادي أيفلين كوبولد في كتابها الذي ألفتْه عن مشاهداتها في الحجِّ إلى مكَّة المكرمة بعدَ أن اعتنقت الإسلام، وأدَّت فريضة الحج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت