الصفحة 54 من 114

ومطاعِنَ كثيرة، ومما لا شكَّ فيه: أنَّ التوحيد في الزوجة هو المثل الأعلى، ولكن ما العمل وهذا الأمر يُعارِض الطبيعة، ويصادم الحقائق، بل هو الحال الذي يستحيلُ تنفيذُه؟

لم يكن للإسلام أمامَ الأمر الواقع - وهو دين اليُسر - إلاَّ أن يستبينَ أقربَ أنواع العِلاج، فلا يحكم فيه حُكمًا قاطعًا، ولا يأمر به أمرًا باتًّا، والذي فعل الإسلام أوَّلَ كل شيء: أنَّه أنقص عددَ الزوجات الشرعيات، وقد كان عندَ العرب الأقدمين مباحًا دون قيْد.

وانظر كيف وصفَه الإسلام وصفًا هو غاية في الرِّقة والدقة، واللُّطف مع الحِكمة، ثم انظر هل حقيقة أنَّ الديانة المسيحية بتقريرها الجبري لفرعية الزوْجة والتوحيد فيها، وتشديدها في تطبيق ذلك قد منعتْ تعدُّد الزوجات؟ هل يستطيع شخصٌ أن يقول ذلك دون أن يأخذَ منه الضَّحِكُ ماخَذه؟! وإلا فهؤلاء - مثلًا - ملوك فرنسا - دعْ عنك الأفراد - الذين كانت لهم الزوجاتُ المتعدِّدات، والنساء الكثيرات، وفي الوقت نفسه لهم من الكنيسة كلُّ تعظيم وإكرام.

إنَّ تعدد الزوجات قانونٌ طبيعي، وسيبقى ما بقي العالَم؛ ولذلك كان ما فعلتْه المسيحية لم يأتِ بالغرض الذي أرادته، فانعكست الآية معها، وصحونا نشهد الإغراءَ بجميع أنواعه، وكان مَثَلُها في ذلك مثل الشجرة الملعونة التي حُرِّمت ثمراتها، فكان التحريمُ إغراءً.

على أنَّ التوحيد في الزوجة - وهي النظرية الآخِذة بها المسيحية - تنطوي تحتها سيئاتٌ متعدِّدة ظهرت على الأخصِّ في ثلاث نتائجَ واقعية، شديدة الخطر، جسيمة البلاء، تلك هي: الدعارة، والعوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيِّين، وأنَّ هذه الأمراض الاجتماعية ذات السيئات الأخلاقية لم تكن تُعرَف في البلاد التي طُبِّقت فيها الشريعة الإسلامية تمامَ التطبيق، وإنَّما دخلتْها وانتشرت فيها بعد الاحتكاك بالمدنيَّة الغربية.

ومِن الأمثلة القائمة على ذلك: ما كان مِن أمر وادي ميزاب، حيث تسكن القبيلةُ التي بهذا الاسم في البلاد الجزائرية، إذ لم تدخلْها الدعارة إلاَّ بعد ضمِّها إلى فرنسا عام 1883م، وقد وصل بها الحالُ اليوم أنَّ أربعة بلدان من مجموع كلِّ سبعة بلدان قد ابتُليت بهذا.

على أنه من جهة أخرى نرى أنَّ الطلاق قد يخفِّف بعض الشيء من أضرار هذا التعنُّت في القصْر على زوجة واحدة، ولكن من جهة ثانية نرى أنَّ الطلاق سيِّئة من السيئات، إذًا ماذا؟ إذًا أي الأدواء قد خلاَ تمامًا من السيئات؟!

على أنَّ الكنيسة قد أساءتْ كذلك في مسألة الطلاق بمثل ما أساءتْ في أمر التوحيد في الزوجة، وذلك بمخالفتها أيضًا لقوانين الطبيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت