التواضع، وحرَّمت الخُيَلاء، فأحلَّت الزواج وحرمت الزنا، وضيقت زواج الجاهلية؛ فجعلت أقصاه أربعًا، وحضَّت على زواج الواحدة.
وفرضت الأخوَّة والمساواة، وألغت العصبية والاستعلاء بالنسب والجاه، وحرَّمت الخمر، وحرَّمت الفسوق والتجبُّر والميسر والعدوان على حقوق الناس وأعراضهم، فلئن قيل: إن الإسلام اعترف بحق البدن، فإنما يقال ذلك بوجه معين: إنه لم يغفل عن وجود البدن، وفطرة الله للبشر ذوي أبدان لا ملائكة من نور، فهو دين حصيف شامل، لا يرهق الناس من أمرهم عسرًا ولكنه إذ يمتنع عن الغلو في إنكار الجسد لا يغلو في إطلاق العنان له، بل إنه يلزمه حدوده، ويجعل الزمام في يد العقل؛ كي يسلك صاحبه مسلكًا طاهرًا يتمتَّع بالطيبات ممَّا أحلَّ الله شاكرًا لأنعمه مبتغيًا رضوانه، فذلك البدن إذًا أشبه ما يكون بمطية أحرى براكبها أن يرتحلها إلى كل ما هو طيب ويتنكَّب بها كل ما هو خبيث من المحارم، فإذا نظرنا إلى الرسالة الإسلامية لوجدناها أبعد ما تكون عن شبهة تملُّق الشهوات، أو إباحة الأهواء أو رشوة المنافع واللبانات.
كان العرب في الجاهلية أهل إباحة لا وازع ولا رادع، قصفهم مجون، ولهوهم فجور، وحياتهم عدوان، وكسبهم سُحْت، وليلهم خمر وميسر، فكيف يقال عن دين اقتلع جذور هذا كله ووضع الحدود لكل وجه من وجوه النشاط البشري أنه استدرج هؤلاء بما تملَّقه من غرائزهم وما أباح لهم من مباذلهم؟
إن لم يكن هذا هو التنظيم والتضييق والسمو فما عساه يكون؟ ما فعل الإسلام إلا أن اعترف للمرء بحقِّ الحياة التي برَّأه الله فيها وركَّب فيه فطرة حبها وطلبها، فاستطاع الإنسان أن يعيش غير مضطرب أو متأثِّم من طبيعته السوية، وقد رسمت له حدود تتَّفق وواقع فطرته.
وتسمح له بالتسامي ما استطاع، ومَن لم يستطع فلا تثريب عليه، وفي رحمة الله الذي خلقه وعرف ضعفه متَّسعٌ.
ومَن سمى هذا التوسيع لباب رحمة الله والاعتراف بفطرة الله التي فطر عليها بني آدم إباحة وتملُّقًا للشهوات إنه إذًا لمغالط أو مخالط.
أترى إن قيل للناس: لا تتنفسوا يكون ذلك معقولًا مقبولًا وتكون إباحة التنفس تملقًا لأهوائهم أو رغباتهم؟ بل ذلك هو بقدر الاستطاعة وعدم قطع الناس عن رحمة الله، فلا تكون لهم حجة بعد في تحدي حدود العقيدة، وقد نظرت إلى حقيقة طبائعهم بغير إعنات، وهذا هو القسطاس الحق في تنظيم أمور الناس من غير تحيُّف، بحيث يطيق كل منهم تسويد العقل والروح على نوازع نفسه، ومَن شاء اتَّخذ إلى ربه سبيلًا.