الصفحة 46 من 114

رسالة الإسلام جاءت مناسِبة لطور البشرية الطبيعي، جاءت رسالة الإسلام متلافية أوْجه الغموض في العقيدة الإلهية وأوجه العسر والعنَت وأوجه إغفال الدنيا، وفطرة البدن والروح في كيان واحد.

ثم مع هذا لم يقفل باب الاجتهاد في السُّمُوِّ الروحي، فما كانت دعوة تهوين أو إسفاف، بل دعوة اتساع في الأفق وشمول في النظر، يأخذ كل إنسان منها على قدر طاقته، ثم هو متروك في أمر طاقته لضميره وسريرته أن يقول صادقًا: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286] ، {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة: 286] ، فالمعول على السريرة والنية والصدق، فهذا الدين - كما قال رسوله - يسر لا عسر، وهو دين متين فأوغلوا فيه برفق، لا زيف في هذا الدين إذًا، وهو ملبٍّ حاجة البشرية كافَّة سوادهم وخاصَّتهم لا مسْخ فيه ولا إسفاف، ولا عسر فيه ولا إجحاف، وإنما هو صراط مستقيم لا إعنات فيه للفكر السليم والبداهة السديدة، برح الخفاء وأثبت أن هذا الدين نفسه دين هداية بالحق، وارتفاع بقيمة العقل عن الانسياق وراء المعميات والخوارق الغريبة عن طبيعة، معدنه في الإقناع والتصديق، ورد اعتبار البدن بوصفه هيكل الروح، فهو ليس مصدر خزي لصاحبه ولا هو بالرجس وإنما الرجل في مقارفة المحرَّمات المحدَّدة شرعًا وفي الإضرار بالنفس أو الغير وبغلَبة الشهوة على صاحبها، فصاحب الرسالة هو القائل: (( إن لبدنك عليك حقًّا ) )، والقرآن يكرِّر ذلك المعنى في أكثر من موضع: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] ، {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، هو دين يسع الناس كافَّة، ويهديهم كافَّة، ولكن حذارِ أن يظن ظانٌّ أن دعوة الإسلام استهوت الناس بتملُّق غرائزهم، أو رشوة منافعهم وإثرتهم، أو إباحة الأهواء والشهوات، فإن ذلك يكون ضلالًا كبيرًا، وجنوحًا إلى عكس مضمون تلك الدعوة.

إن الرسالة الإسلامية جاءت تنظيمًا لحياة الناس؛ بحيث يخرجون عن دائرة المنفعة الذاتية والأنانية بكل توابعها من الشهوة أو الهوى والقسوة والظلم والإباحية.

فرضت على المرء أن يعمل، وجعلت قيمته وشرفه معلَّقين بعمله {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] .

وفرضت الزكاة على الأموال، وجعلت للفقير في عنق الغني حقًّا مفروضًا هو الصدقة، وفرضت الصفْح والعفو، ومحت الثأر والشحناء، وفرضت الصلاة والصيام، وحرمت البذخ والسرف، وفرضت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت