ولم يكن القرآن أقلَّ انتشارًا في الصين التي لم يفتح العرب أيَّ جزء منها قط، فترى في فصل آخر ساعة أن الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونًا في الوقت الحاضر.
وللفتوح العربية طابع خاص لا تجد مثله لدى الفاتحين الذين جاؤوا بعد العرب؛ فالبرابرة الذين استولوا على العالم الروماني والترك وغيرهم - وإن استطاعوا أن يقيموا دولًا عظيمة - لم يؤسسوا حضارة، وكانت غاية جهودهم أن يستفيدوا بمشقَّة من حضارة الأمم التي قهروها، وعكس ذلك أمر العرب الذين أنشؤوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها وتمكَّنوا من حمل أمم كثيرة على انتحال دينهم ولغتهم، فضلًا عن حضارتهم الجديدة، واتَّصلت بالعرب أممٌ قديمة كشعوب مصر والهنود، فاعتنقت معتقدات العرب وعاداتهم وطبائعهم وفن عماراتهم، واستولت بعد ذلك الدَّور أمم كثيرة على الأقطار التي فتحها العرب؛ فظلَّ نفوذ العرب فيها ثابتًا، ويلوح لنا رسوخ هذا النفوذ إلى الأبد في جميع البقاع الأسيوية والأفريقية التي دخلوها، والتي تمتدُّ من مراكش إلى الهند، والإسبان وحدهم استطاعوا أن يتخلَّصوا من الحضارة العربية، ولكنهم لم يصنعوا ذلك إلا ليقعوا في الانحطاط العضال.
وقال لوثو وب ستودارد الأمريكي في كتابه"حاضر العالم الإسلامي": كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوِّن في تاريخ الإنسان، ظهر الإسلام في أمَّة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطَّة الشأن، فلم يمضِ على ظهوره عقود حتى انتشر في نصف الأرض ممزِّقًا ممالك عالية الذُّرَى، مترامية الأطراف، وهادمًا أديانًا قديمة كرَّت عليها الحِقَب والأجيال، ومغيرًا ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانيًا عالمًا حديثًا متراصَّ الأركان: هو عالم الإسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية تجوب فيافيها شتَّى القبائل الرحَّالة التي لم تكن من قبل رفيعة المكانة والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفَّق وينتشر وتتَّسع رقعته في جهات الأرض مجتازًا أفدح الخطوب، وأصعب العقبات، دون أن يكون له من الأمم الأخرى عوْن يذكر ولا أزْر مشدود، وعلى شدَّة هذه المكاره فقد نصر الإسلام نصرًا مبينًا عجيبًا؛ إذ لم يكد يمضي على ظهروه أكثر من شهرين حتى باتت راية الإسلام خفَّاقة من (البرانس) حتى (هملايا) ومن صحاري أواسط أسيا حتى صحاري أواسط أفريقية، كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه؛ أكبرها أخلاق العرب، وماهية تعاليم صاحب الرسالة، وشريعته، والحالة العامَّة التي كان عليها المشرق المعاصِر في ذلك العهد.
إن العرب وإن كان ماضيهم ما برح منذ عهد متطاول في القدم حتى عصر الرسالة ماضيًا غير مشرق باهر - قد كانوا أمَّة استودعت فيها قوة عجيبة، تلك القوة الكامنة التي بدأت منذ نشوء الإسلام