الصفحة 41 من 114

كلمات بسهولة، وهو بذلك عكْس النصراني الذي لا يستطيع حديثًا عن التثليث والاستحالة، وما ماثلهما من الغوامض من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل.

وساعَد وضوح الإسلام، وما أمر به من العدل والإحسان على انتشاره في العالم، وبتلك المزايا نفسِّر سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام؛ كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حُكْم القياصرة القسطنطينية، فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام، كما نفسِّر به السبب في عدم تنصُّر أيَّة أمَّة بعد أن رضيت بالإسلام دينًا سواء كانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.

ويجب على مَن يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني ألاَّ ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم بل إلى مدى تأثيره.

والإسلام إذا ما نُظِر إليه من هذه الناحية وُجِد من أشد الأديان تأثيرًا في الناس، وهو مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاح ... إلخ، يعلم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف - فضلًا عن ذلك - أن يصب في النفوس إيمانًا ثابتًا لا تزعزعه الشبهات، ولا ريْب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيمًا إلى الغاية؛ فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلَّفة من إمارات مستقلة، وقبائل متقاتلة على الدوام، فلمَّا ظهر محمد ومضى على ظهوره قرن واحد كانت دولة العرب ممتدَّة من الهند إلى إسبانيا وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهَّاج في جميع البلدان التي خفقت راية النبي فوقها، والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيبًا للنفوس، وحملًا على العدل والإحسان، والتسامح والبدهية، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفة تراها مضطرة إلى التحوُّل لتستمرئها الجموع وهي لا شكَّ دون الإسلام في شكلها المعدل هذا.

وجرت حضارة العرب التي أوجدها أتباع محمد على سنة جميع الحضارات القديمة، نشوءٌ فاعتلاءٌ فهبوطٌ فموتٌ، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدثور كالحضارات التي ظهرت قبلها لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي ولا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئًا من قوتها.

يدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسيا الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية تقريبًا إلى ما تحت خط الاستواء.

وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتَّخذت القرآن دستورًا لها ووحدة اللغة والصلاة التي يسفر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت