السيطرة على تلك الشعوب العريقة في الفضائل، وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري مُدَّة ثمانية قرون، بينما كنَّا يومئذ مثال الهمجية، وإنه لكذب وافتراء ما ندَّعيه من أن الزمان قد اختلف، وأنهم صاروا يمثِّلون اليوم ما كنَّا نمثِّله نحن فيما مضى.
ويقول المسيو كلود فارير في المقدمة التي كتبها للترجمة الفرنسية من رواية"العباسة أخت الرشيد"؛ تأليف جرجي زيدان: أصيبت الإنسانية والعالم الغربي عام 732م بكارثة عظمى لم تصب بمثلها في القرون الوسطى، وبقي أثرها ظاهرًا في العالم مُدَّة سبعة قرون أو ثمانية إن لم يكن أكثر من ذلك؛ لأن روح التجدُّد كانت يومئذ قد بدت للعيان حتى وقعت تلك الكارثة، فكان من نتائجها تأخُّر سير الحضارة ورجوع العالم إلى الوراء، هذه الكارثة هي الانتصار المؤلم الذي أحرزه وحوش (الهاركا) من جيوش الإفرنج التي كان يقودها شارل مارتل سليل الكالنجيين محاربًا بها كتائب العرب والبربر التي لم يحسن عبدالرحمن جمعها وحشدها بالمقدار الكافي؛ فكان ذلك سبب خذلانها وتقهقرها، في ذلك اليوم المظلم تقهقرت الحضارة إلى الوراء ثمانية قرون، وحسب الذين يبتغون أن يشهدوا مثالًا من مدنية العرب يومئذ أن يتنقَّلوا بين حدائق الأندلس الغناء، ثم يأتوا الآن فيتردَّدوا بين خرائب ذلك العصر الماثلة للأنظار في إشبيلية وقرطبة وطليطلة وغرناطة.
وقال الدكتور غوستاف لوبون: ما عرف التاريخ حاكمًا أعدل ولا أرحم من العرب.
وقال الدكتور غوستاف لوبون أيضًا في كتابه"حضارة العرب": ومهما يكن من أمر فإن ممَّا لا ريب فيه أن محمدًا أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام - ومنها اليهودية والنصرانية - ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيمًا.
وإذا ما قِيسَت قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وأخذ بعض علماء الغرب ينصفون محمدًا مع أن التعصُّب الديني أعمى بصائر مؤرِّخيهم عن الاعتراف بفضله.
قال العلامة بار تامي سنت هيلر: كان محمد أكثر عرب زمانه ذكاء، وأشدهم تديُّنًا، وأعظمهم رأفة، ونال محمد سلطانه الكبير بفضل تفوُّقه عليهم، ونعدُّ دينه الذي دعا الناس إلى اعتقاده جزيل النعم على جميع الشعوب التي اعتنقته.
ونشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سرُّ قوة الإسلام، والإسلام وإدراكه سهلٌ خالٍ ممَّا نراه في الأديان الأخرى ويأباه الذَّوق السليم من المتناقضات والغوامض، ولا شيء أكثر وضوحًا، وأقل غموضًا من أصول الإسلام القائلة بإله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله، وببضعة فروض يدخل الجنة مَن يقوم بها، ويدخل النار مَن يعرض عنها، وإنك إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة رأيته يعرف ماذا يجب عليه أن يعتقده، ويسرد لك أصول الإسلام في بضع