وقوانين وأنظمة لربط المجتمع، فهو كتاب ديني علمي، اجتماعي تهذيبي، خلُقي تاريخي، وكثير من أنظمته وقوانينه تستعمل حتى في وقتنا الحالي، وستبقى مستعمَلة حتى قيام الساعة.
وإذا طلب مِنِّي أحد القرَّاء أن أحدِّد له الإسلام، فإنِّي أحدِّده بالعبارة التالية: هل في استطاعة إنسان أن يأتيني بدور من الأدوار كان فيه الدين الإسلامي مغايرًا للمدنية والتقدُّم؟
كان النبي محمد زراعيًّا وطبيبًا وقانونيًّا وقائدًا، واقرأ ما جاء في أحاديثه تتحقق صدق ما أقول، ويكفي أن قوله المأثور: (( نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ) )، هو الأساس الذي بني عليه علم الصحة، ولم يستطع الأطباء - على كثرتهم ومهارتهم - أن يأتوا حتى اليوم بنصيحة أثمن من هذه.
والخلاصة أن محمدًا كان مجموعة من الحس والنبوغ والبحث، وهذا هو التحديد الصحيح الذي يجب على كل مسلم أن يعرفه.
إن محمدًا هو الذي استطاع في مُدَّة وجيزة لا تزيد عن ربع قرن أن يكتسح دولتين من أعظم دول العالم، وأن يقلب التاريخ رأسًا على عقب، وأن يكبح جماح أمَّة اتَّخذت الصحراء المحرقة سكنًا لها، واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والأخذ بالثأر واتباع آثار آبائها، ولم تستطع الدولة الرومانية أن تغلب الأمَّة العربية على أمرها، فمَن الذي يشكُّ أن القوة الخارقة للعادة هي التي استطاع محمد أن يقهر خصومه بها هي من عند الله.
وقال في كتابه"معالم تاريخ الإنسانية": كان الإسلام منذ البداية قويَّ المقاومة إلى حدٍّ بعيد لعمليات الصقل والتفاصيل اللاهوتية التي أربكت المسيحية، وكان مليئًا بروح الرفق والسماحة والأخوَّة، وكان عقيدة سهلة يسيرة الفهم، كان غريزة مسجرة تحوي عواطف الفروسية في الصحراء.
ولم تكن كتلة الناس الذين جاءتهم دعوة الإسلام يهتمُّون إلا بشيء واحد هو أن ذلك الرب (الله) الذي كان يبشِّر به الرسول كان بشهادة الضمير المنطوية عليه قلوبهم رب صلاح وبر، وأن القبول الشريف لمبادئه وطريقته يفتح الباب على مصراعيه في عالم تقلقل وخيانة وانقسامات لا نسامح فيها على أخوَّة عظيمة متزايدة من رجال جديرين بالثقة في الأرض.
ويقول المسيو دي شامبيون مدير مجلة"ريفو بارلنتيرا"الفرنسية: لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على تقدُّم العرب في فرنسا لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولا كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعصُّب الديني والمذهبي، ولولا ذلك الانتصار البربري على العرب لنجت إسبانيا من وصْمة محاكم التفتيش، ولولا ذلك لما تأخَّر سيرُ المدنية ثمانية قرون، نحن مدينون للشعوب العربية بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة مع أننا نزعم