وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأيَّة طريقة حسبما تقتضيه الحال؛ أولم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحيانًا، وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون، وأنا أحفل أكان انتشار الحق بالسيف أم بالسلطان أم بأية آلة أخرى، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة، أو بالصحافة، أو بالنار، لندعها تكافح وتجاهِد بأيديها وأرجلها وأظفارها، فإنها لن تهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم، وليس في طاقتها قطُّ أن تفني ما هو خير منها، بل ما هو أحط وأدنى، إن دينًا آمن به أولئك العرب الوثنيون وأمسكوه بقلوبهم النارية لجديرٌ أن يكون حقًّا، وجدير أن يصدَّق به، وإن ما أُودِع هذا الدين من القواعد لهو الشيء الوحيد للإنسان أن يؤمن به وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، روح تلبس أثوابًا مختلفة وأثوابًا متعدِّدة، وهي في الحقيقة شيء واحد، وباتباع هذه الروح يصبح الإنسان إمامًا كبيرًا لهذا المعبَّد الأكبر، الكون جاريًا على قواعد الخالق تابعًا لقوانينه لا محاولًا عبثًا أن يقاومها ويدافعها، ولم أعرف قطُّ تعريفًا للواجب أحسن من هذا.
وجاء محمد وشِيَع النصارى تقيم أسواق الجدال وتتخبَّط بالحجج الجائرة، وماذا أفاد ذلك؟ وماذا أثمر؟
لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة فابتلعها وحُقَّ له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة خارجة من قلب الطبيعة، وما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق فإنها حطب ميت أكلته نار الإسلام فذهب والنار لم تذهب.
أمَّا القرآن فإن فرط إعجاب المسلمين به وقولهم بإعجازه هو أكبر دليل على اختلاف الأذواق في الأمم المختلفة، هذا وإن الترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة، وحسن الصياغة، ولذلك لا عجب إذا قلت: إن الأوربي يجد في قراءة القرآن أكبر هناء فهو يقرؤه كما يقرأ الجرائد لا يزال يقطع في صفحاتها قفارًا من القول المملِّ المتعِب، ويحمل على ذهنه هضابًا وجبالًا من الكلم؛ لكي يعثر في خلال ذلك على كلمة مفيدة.
أمَّا العرب فيرونه على عكس ذلك لما بين آياته وبين أذواقهم من الملاءمة، ولأنه لا ترجمة ذهبت بحسْنه ورونقه فلذلك رآه العرب من المعجزات، وأعطوه من التبجيل ما لم يعطه أتقى النصارى لإنجيلهم، وما بَرِح في كل زمان ومكان قاعدة التشريع والعمل والقانون المتبع في شؤون الحياة ومسائلها.
والوحي المنزَّل من السماء هدًى للناس وسراجًا منيرًا يضيء لهم سبل العيش ويهديهم صراطًا مستقيمًا، ومصدرًا أحكام القضاة، والدرس الواجب على كل مسلم حفظه والاستنارة به في غياهب الحياة، وفي بلاد المسلمين مساجد يتلى فيها القرآن جميعه، وكذلك ما برح هذا الكتاب يرنُّ صوته في آذان الألوف من خلق الله، وفي قلوبهم اثني عشر قرنًا في كل آن ولحظة.