الصفحة 35 من 114

وكان بين هؤلاء العرب التي تلك حالهم أنْ ولد محمد - عليه السَّلام - عام 580 ميلادية، وتذكر المزاعم الباطلة التي يروجها بعضُ المتعصبين من أنَّ محمدًا تعلَّم من الراهب بحيرا، ويفند ذلك الزعم ويسفهه إلى أنْ يقول: ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدون أنَّ محمدًا لم يكن يريد بقيامه إلا الشُّهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسُّلطان، كلا وايم الله، لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وبرًّا وحكمة وحِجًى وأربة ونُهَى أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطان والجاه.

وكيف؟ تلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يُمكنهم إلا أن يكونوا مُخلصين جادين، فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارت الباطلة، إذ نرى محمدًا لم يرضَ أن يلتفع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمنبع الأباطيل، لقد كان منفردًا بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سر الوجود يسطع لعينيه، كما قلت بأهواله ومخاوفه ورونقه ومباهره، لم يكُ هنالك من الأباطيل ما يَحجب ذلك عنه، فكأن لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه"ها أنا ذا"، وما كلمة مثل هذا الرجل إلاَّ صوتٌ خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم، فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية وكل كلام ما عدا ذلك هباء، وكل قول جفاء.

أيزعُم الكاذبون أنَّه الطَّمع، وحبّ الدُّنيا هو الَّذي أقام محمَّدًا وأثاره؟ حمق وايم الله وسخافة وهوس هذا الزعم، أي فائدة لمثل هذا الرجل في جميع بلاد العرب، وفي تاج قيصر وصولجان كسرى، وجميع ما بالأرض من تيجان وصوالجة؟ وأين تصير الممالك والتيجان والدول جميعها بعد حينٍ من الدَّهر؟ أفي مشيخة مكة وقضيب مفضض الطرف، أم في ملك كسرى وتاج ذهبي الذؤابة منجاة للمرء ومظفرة؟ كلاَّ، إذًا فلنضرب صفحًا عن مذهب الجائرين القائلين: إنَّ محمدًا كاذب، ولنعد موافقتهم عارًا وسبة وسخافة وحمقًا، ولنربأ بنفوسنا عنه ولنترفع.

فمن فضائل الإسلام تضحية النفس في سبيل الله، وهذا أشرف ما نزل من السماء على نبي الأرض، نعم، هو نور الله قد سطع في روح ذلك الرجل، فأنار ظلماتها، هو ضياء باهر كشف تلك الظلمات التي كانت تؤذن بالخسران والهلاك.

ولقد قيل كثير في شأن نشر محمد دينه بالسيف، فإذا جعل الناس ذلك دليلًا على كذبه فشذَّ ما أخطؤوا وجاروا، فهم يقولون: ما كان الدين لينتشر لولا السيف، ولكن ما هو الذي أوجد السيف؟ هو قوة ذلك الدين، وأنه حق والرأي الجديد أوَّل ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد فالذي يعتقده هو فرد ضد العالم أجمع، فإذا تناول هذا الفرد سيفًا وقام في وجه الدنيا فقلَّما والله يضيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت