الصفحة 34 من 114

جديرًا أنْ يبقى على دعائمه اثني عشر قرنًا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم فكأنه لم يكن.

كذب - والله - ما يذيعه أولئك الكافرون، وإن زخرفوه حتى خيلوه حقًّا وهو زور وباطل، وإن زينوه حتى أوهموه صدقًا، ومحنة والله ومصاب أن ينخدعَ الناس شعوبًا وأممًا بهذه الأضاليل، وتسود الكذبة وتقود بهاتيك الأباطيل، وإنَّما هو كما ذكرت لكم من قبيل الأوراق المالية المزورة يحتال لها الكذاب حتى يخرجها من كفه الأثيمة، ويحيق مصابها بالغير لا به.

وأي مصاب وأبيكم؟ مصابو الثورة الفرنسية وأشباهها من الفتن والمحن يصيحون بملء أفواههم: هذه الأوراق كاذبة.

ولسنا نعد محمدًا هذا قطُّ كاذبًا يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغية، أو يطمح إلى درجة ملك أو سلطان أو غير ذلك من الحقائر والصغائر، وما الرِّسالة التي أداها إلا حقٌّ صريح، وما كلمته إلا صوت صادر من العالم المجهول، وإنَّما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلبُ الطبيعة، فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء، وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حجة القوم الكافرين.

ويتحدث عن الكعبة، فيقول: وما أعجب هذه الكعبة! وأعجب شأنها! فهي في هذه الآونة قائمة على قواعدها، عليها الكسوة السوداء التي يرسلها السُّلطان كل عام يبلغ ارتفاعها سبعًا وعشرين ذراعًا، حولها دائرة مزدوجة من العُمُد، وبها صفوف من المصابيح وبها نُقوش وزخارف عجيبة، وستوقد تلك المصابيح الليلة لتشرق تحت النُّجوم المشرقة، فنعم أثر الماضي هي، ونعم ميراث الغابر هذه كعبة المسلمين، ومن أقاصي المشرق إلى أخريات المغرب، من دلهي إلى مراكش متجهة أبصار العديد المُجَمْهَر من عباد الله المصلين شطرها، وتهفو قلوبهم نحوها خمس مرات، هذا اليوم وكل يوم، نعم لهي والله من أجل مراكز المعمورة وأشرف أقطابها.

ثم يذكر حال العرب في الجاهلية، وما هم عليه من وثنية وتفرق وخمول - قال: وعلى هذه الطريقة عاش العرب دهورًا، خاملي الذكر، غامضي الشأن، أناسًا ذوي مناقب جليلة وصفات كبيرة، ينتظرون من حيث لا يشعرون اليومَ الذي يشاد فيه بذكرهم، ويطيرون في الآفاق هيبتهم، ويرتفع إلى عَنَان السماء صوتُهم، وما ذلك ببعيد، وكأنَّما كانت وثنياتهم قد وصلت إلى طور الاضمحلال وأذنت بالسقوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت