الصفحة 33 من 114

وحسَّن أحوال الأرِقَّاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعِزَّة، وأوجد بين المسلمين درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض.

ولقد علَّم الإسلام الناس أن يواجهوا صعاب الحياة ويتحملوا قيودها بلا شكوى ولا ملل، وبعثهم إلى التوسُّع توسعًا كان أعجب ما شهده التاريخ كله، وقد عرف الدين، وحدده تحديدًا لا يجد المسيحي ولا اليهودي الصحيح العقيدة ما يَمنعه من قَبوله.

ويختم حديثه عن الحضارة الإسلامية بقوله: لقد ظل الإسلام خمسة قرون - على الأقل - من عام 700م إلى 1200م يتزعم العالم كُلَّه في القوة والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني والآداب والبحث العلمي والعلوم والطب والفلسفة ... إلخ.

وقال الفيلسوف الإنكليزي توماس كارليل في كتابه"الأبطال": لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدن من أبناء هذا العصر أنْ يُصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خداع، وأن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإنَّ الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير، مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا.

أفكان يظن أن هذه الرِّسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟ أمَّا أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرَّواج، ويصادقان منهم مثل ذلك التصديق والقَبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياةُ إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها أن لا تخلق، فواأسفاه، وما أسوأ مثل هذا الزعم! وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والرحمة!

وبعد؛ فعلى مَن أراد أن يبلغَ منزلة ما في علوم الكائنات أنْ لا يصدق شيئًا أَلْبَتَّة من أقوال أولئك السفهاء، فإنَّها نتائج جيل كفر وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر وموت الأرواح في حياة الأبدان، ولعلَّ العالم لم يَرَ قطُّ رأيًا أكفر من هذا وألأم، وهل رأيتم قطُّ معشر الإخوان أنَّ رجلًا كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا وينشره؟ عجبًا والله، إنَّ الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتًا من الطوب، فهو إذًا لم يكن عليمًا بخصائص الجير والجص والتُّراب وما شاكل ذلك، فما ذلك الذي يبنيه بيت وإنَّما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، نعم وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت