وأجبر النوع الإنساني بتأثير هذه التعاليم لِأَنْ يرجع إلى نفسه، ويبحث عن الله - تعالى - خالقه في أعماق روحه وصميم سره؛ ليستطيع أن يرتفعَ بهذه العقيدة النقية إليه - تعالى - بواسطة العبادة القلبيَّة المملوءة احترامًا وشكرًا ومحبة، ولقد قصر الناس في الالتفات إلى ذلك الرقي الأدبي الباهر الذي تم بواسطة الديانة الإسلامية، وحصل هذا الرقي بعيدًا عنا لدى شعوب يسهل علينا وصفهم ظلمًا بالمتوحشين، بمجرد كونهم لا يَخضعون لأفكارنا ولا يقولون بعقائدنا.
وقال إدوار مونتيه مدير جامعة جنيف في محاضرة له: إنَّ الإسلام دينٌ سريع الانتشار، ينتشر من تلقاء نفسه دون أيِّ تشجيع تقدمه له مراكز منظمة، وذلك لأن كل مسلم مبشر بطبيعته، المسلم شديد الإيمان، وشدة إيمانه تستولي على قلبه وعقله، وهذه مَيْزَة في الإسلام ليست لدين سواه، ولهذا السبب ترى المسلم الملتهب إيمانًا يبشر بدينه أينما ذهب وأنَّى حَلَّ، وينقل عدوى الإيمان الشديد لكل من يتَّصل به من الوثنيِّين، ولعمري، إنَّ للإيمان الإسلامي الشديد أكبر فضل في نشره هذا الانتشار السريع، وفضلًا عن الإيمان، فالإسلام تمشي مع الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، وله قدرة عجيبة على التكيف بحسب المحيط وعلى تكييف المحيط حسب ما يقتضيه هذا الدين القوي.
ولا شك أن الإسلام يُعَدُّ من أكبر وسائل تَمرين الناس وترقية أحوالهم الاجتماعية والدينية والخلقية والاقتصادية.
الإسلام حضارة قائمة بنفسها رغم انحطاط المسلمين في فترة من الزَّمن، إلا أنَّهم الآن ينتبهون مرة ثانية، وينشرون المدنية والرقي في كل أنحاء العالم، تأثير الإسلام في السكان مفيد أكثر من تأثير المسيحية، فالمسيحية ضعفها ظاهر في إفريقيا بينما قوة الإسلام وعظم تأثيره في الحالات الاجتماعية والدينية والخلقية والاقتصادية ظاهر جلي.
وآخر ملاحظاتي هي: أنَّ للإسلام قوة اندماج وملائمة للأوساط الإفريقية والأوساط الراقية والمدنية العالية.
وليست هذه المزية لأي دين أو نظام اجتماعي غيره.
وقال المستشرق جب: ما زال الإسلامُ يحفظ التوازنَ بين الاتجاهين المتغاليَين، المتقابلين في دنيا الغرب، فهو يساوي ويوائم بين الاشتراكية القومية الأوربية، وبين شيوعية روسيا، فلم يهوِ بالجانب الاقتصادي من الحياة إلى ذلك النطاق الضيق الذي أصبح من مميزات أوربا في الوقت الحالي، والذي هو اليوم من مميزات روسيا أيضًا.