الصفحة 29 من 114

ثم بَحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين، فوَجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة وجمالًا وكرمًا، بل وجدت هذه النُّفوس على مثل ما يَحلم به الفلاسفة من نفوس الخير والرحمة والمعروف، في عالم لا يعرف الشَّرَّ واللغو والكذب، فالمسلم بسيطٌ لا يظن بأحد سوءًا، ثم هو لا يستحل محرمًا في طلب الرزق، ولذلك كان أقل مالًا من الإسرائيليِّين، ومن بعض المسيحيين.

ولقد وجدت فيه حلَّ المسألتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم طُرًّا: الأول في قول القرآن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، فهذه أجملُ مبادئ الاشتراكية، الثاني: فرض الزكاة على كل ذي مال، وتخويل الفقراء حقَّ أخْذِها غصبًا إن امتنع الأغنياءُ عن دفعها طوعًا، وهذا دواء الفوضوية.

ثم قال عن الإسلام إجمالًا: إنَّه دين المحامد والفضائل، ولو أنَّه وجد رجالًا يعلمونه الناس حق التعليم، ويفسرونه تمام التفسير، لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين، وأسبقهم في كل الميادين، ولكن وجد بينهم ويا للأسف شيوخ يُحرِّفون كلمه، ويَمسخون جماله، ويدخلون فيه ما ليس منه.

وقال المستر درابر أستاذ كلية نيويورك بأمريكا: إنَّ أقوى وأكبر الممالك الدينية التي لم يَرَ العالم مثلها قد ولدت فجأة، وامتدت من المحيط الأتلانتيكي إلى أسوار الصين، ومع ذلك فلم تكُ قد بلغت نهاية ما قدر لها من الامتداد والنُّفوذ، فلقد أتى عليها بعد ذلك حين من الدَّهر طردت فيه خلفاء القياصرة، وملكت بلاد اليونان، ونازعت النصرانية السلطة على أوروبا، ونشرت نفوذ عقائدها خلال الصَّحاري الموحشة والغابات الموبوءة من أول شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى خط الاستواء.

وقال سنكس في مقال له بعنوان:"محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم": ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر بإشرابها الأصولَ الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعِهَا إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة، ثم قال: إنَّ الديانة الإسلامية أحدثت رقيًّا كبيرًا جدًّا في الفكرة الدينية في العالم، وخلصت العقل الإنساني من قيوده الثقيلة التي كانت تأسره حول الهياكل بين يدي الكهَّان ذوي الصبغ الدينية المختلفة، نعم: ارتقى العقل بواسطة الإسلام للاعتقاد بحياة أخروية.

وهذه العقيدة هي الوازع الأقوى في مُحاولات الإنسان المادية، وإلى الإخبات لإله واحد يستطيع أنْ يعبدَه بنفسه دون مداخلة أحد بينه وبينه، وأن يرتقي في مصاعد كرامته إلى مَجال أنواره دون وُسطاء ولا شفاعة الشافعين من بني جنسه، ولقد توصل محمد بمحوه كلَّ صورة في المعابد وإبطاله كلَّ تَمثيل لذات الخالق المطلق، وإلى تخليص الفكر الإنساني من عقيدة التجسيد الغليظة التي كانت من لوازم الفكر البشري في القرون الخالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت