البشري: الرحمة، والعَدَالة، ولا نرى بنا من حاجةٍ إلى إيراد الأمثلة على ذلك، فمن السهل الوقوف على كثير منها في الكتب الموضوعة عن تاريخ حياته.
وحسبُك أنَّ الحروب التي هي أقصى ضرورات الحياة الإنسانية قد صارت بفضله أقلَّ وحشية وقسوة؛ إذ إنَّه كان يطلب من جنودِه ألا يقتلوا شيخًا ولا امرأة ولا طفلًا، ولا يهدموا بيوتًا لم تتخذْ كمعاقل حربية، ولا يدمروا ما بها من أسباب الحياة، ولا يَمسوا الأشجارَ المثمرة والنخيل.
والآن وقد انتهينا من الرد على تلك التهم التي وجهت إلى الإسلام في الغالب نضعُ هذا السؤال: كيف لم ينقطع الإسلام عن الانتشار والذُّيوع في إفريقيا وأسيا، رغم حرية الاعتقاد الكبيرة التي يتمتع بها غيرُ المسلمين في البلاد الإسلامية، ورغمًا من الانصراف عن الاهتمام بالشؤون الدينية في هذه الأيام الأخيرة.
وهو الآن لا يسبقه سيف الفاتحين، بل على النقيض من ذلك، فإنَّ البلادَ التي كانت ترفرف فوقَها رايته، أضحت محكومة برجال ذوي عقائد أخرى، ولم يستطيعوا مع ذلك أنْ يصرفوا رعاياهم عنه، أو يقتلوه من قلوبهم، فأيَّة قوة عجيبة تنطوي عليها هذه الديانة؟ وما قوةُ الإقناع التي تستند إليها؟ وفي أيَّة عروق النفس البشرية تَجِد غذاءَها وقوام حياتِها إلى أنْ تقول: إنَّ الناس لتتلهَّف على دين يتفق وحاجاتِهم ومَصالحهم الدُّنيوية، ولا يكون قاصرًا على إرضاء مشاعرهم وإحساساتِهم.
ويريدون أن يكون هذا الدين وسيلةً لأمنهم وطمأنينتهم في الدُّنيا والآخرة، وليس هنا من دين تتوفر فيه هذه المزايا كلها بشكل رائع سوى دين الإسلام، إنَّه ليس مُجرد دين فحسب، بل إن فيه حياة للناس؛ لأنه يعلمهم كيف يحسنون التفكير والكلام، ويَحضهم على فعل الخير وصالح الأعمال، ولذلك سُرعان ما شق طريقه إلى القلوب والأفهام.
وقال المسيو (ليون روش) ، وهو الذي أقام في بلاد المسلمين ثلاثين سنة تعلَّم في أثنائها اللغة العربية وفنونَها، وقرأ العلوم الإسلامية، وعاشر المسلمين في الجزائر وتونس والأستانة ومصر والحجاز، وقد ألف كتابًا عنوانه:"ثلاثون عامًا في الإسلام"، قال فيه:"اعتنقتُ دين الإسلام زمنًا طويلًا لأدخل عند الأمير عبدالقادر دسيسة من قبل فرنسا، وقد نَجحت في الحيلة، فوثق بي الأمير وثوقًا تامًّا، واتَّخذني سكرتيرًا، فوجدت هذا الدين الذي يعيبه الكثيرُ أفضلَ دين عرفته، فهو دين إنساني طبعي اقتصادي أدبي، ولم أذكر شيئًا من قوانيننا الوضعية إلاَّ وجدته مشروعًا فيه، بل إنَّني عدت إلى الشريعة التي يسميها (جول سيمون) الشريعة الطبيعية، فوجدتها كأنها أخذت عن الشريعة الإسلامية أخذًا."