أما الخلفاء الذين خلفوا محمدًا في حكم الدولة الإسلامية، والذين كانوا تراجمة ضميره، فقد ساروا على سنته التي سَنَّها لهم، وحملوا راية الإسلام إلى قلب القارة الأسيوية من جهة، وإلى أمواج المحيط الأطلسي من الجهة الأخرى.
لم تكن قد مضت سوى ست عشرة سنة عندما سقطت دولة الفُرس في أيدي العرب بعد موقعة القادسية، مع أن هذه الإمبراطورية ظلت مدى أجيال في عراك مُستمر مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية دُونَ أن تتغلب إحداهما على الأخرى، أمَّا ملك الفرس كسرى، فقد هرب من العرب، وجعل يلجأ إلى إقليم بعد إقليم، حتى بلغ حدودَ بلاده، ومات في سنة 31 هجرية، وبذلك صارت إمبراطوريته بأجمعها بلادًا عربية، وبعد أن زالت مدنِيَّتا الدولتين الفارسية والرومانية، وتهدمت ديانتاهما، سرى في عروق الشُّعوب تيارٌ جديد، وانتشرت بينهم ديانة جديدة بسيطة تتحدث إلى العقل والقلب معًا.
كما ظهر نظام جديد للحكم يفضُل كثيرًا تلك النظم التي كانت مُتبعة هناك في ذلك الوقت؛ نظرًا لمبادئه الخلقية القويمة، كذلك انتقلَ مال المجوس من خزائن الأشراف إلى أيدي الفقراء، وعامة الشعب، وأخذت تتناولُه الأيدي مرة ثانية، وتستفيد من ثمراته، وقد ظهر في الحكم رجال أذكياء مستنيرون أقاموا حكومةً رشيدة تستند إلى آراء ديموقراطية صحيحة، وقد تدرجوا في الحكم، وتبوؤوا أسمى المراكز.
كما أن المقهورين كانوا يَجدون من حكامهم الجدد كلَّ ضمان لطمأنينتِهم، ويتمتعون بحقوقهم المشروعة كافَّة، كما أن أرواحهم وأملاكهم كانت مكفولة.
أخذ الناس الذين دهشوا لهذا الانقلاب الاجتماعي الديني السياسي يتساءلون عن سببه الأول، ولكنَّ الكثيرين منهم كانوا لا يبصرون أو تعمدوا إغماضَ عيونِهم، فظلوا يتخبطون طويلًا في مجاهل الغلط والشطط، ولم يدركوا أنَّ القوة الإلهية هي التي أعطت الإشارة الأولى لهذه الحركة المباركة الواسعة النِّطاق، ولم يشاؤوا أن يصدقوا أن الحكمة الإلهية هي التي اقتضت أن يكون محمدٌ خاتَمَ الأنبياء والمرسلين، وسجلت له إلى الآن رسالة عامة إلى الناس أجمعين، بغير تمييز بين جنس وجنس، أو بين بلد وبلد إلى أن قالت:
وحسبنا ما قدمناه من الأدلة والبراهين؛ لأنَّ رجالَ الغرب قد بدؤوا يقتنعون بأن إخلاص محمد في دعوته كان أمرًا لا ريبَ فيه، ولقد كان محمد كرسولٍ يدعو إلى الله رجلًا رحيمًا لَيِّنَ الجانب حتى لأعدائه الشخصيِّين، وبذلك اجتمعت فيه فضيلتان كلتاهما أكبر الفضائل التي يتصورها العقل