الفائدة الشخصية أو الرغبة في التخلُّص من الذل والضعة، فنحن جديرون أن نقرَّ أن الثابت المحقق أن كثيرًا من المسيحيين دانوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان.
وقالت الكاتبة الإيطالية الدكتورة (لورافيتشا فالييري) في كتابها"محاسن الإسلام": في بلد قفر بوادٍ غير ذي زرع، منعزل عن الإنسانية المتمدنة تفجَّر ينبوعُ ماء سلسل عَذْب منعش بين قوم من الهمج، جبابرة غلاظ القلوب، لا يَخضعون لسلطان، ولا يتقيدون بقيد، ذلك الينبوع هو دين الإسلام الذي تدفَّق بغزارة واتَّخذ سبيله في الأرض سربًا، فكان نُهَيرًا، استحال بعده إلى نهر عظيم سرعان ما تفرعت منه آلاف الجداول والأنهار التي تغلغلت في البلاد طولًا وعرضًا، ولم يلبثِ الناسُ أن تذوقوا هذا الشراب العجيب، وشُفُوا من أمراضهم الاجتماعية.
واتَّحد المختلفون منهم والمتخاصمون، وانطفأت نيرانُ الحقد والكراهية المشبوبة في صدورهم، وزالت بينهم أسبابُ النفور والخلاف، استحال هذا الماء المقدس سيلًا جارفًا اكتسح بقوته الساحرة بلادًا عظيمة، فثل عروشها، وطوى مَجْدَها طي السجل للكتب.
لم يشهد التاريخ حادثًا مماثلًا لهذا الحادث الخطير؛ لأن السرعة العظيمة التي أتم بها الإسلام فتوحاته، كان لها أبلغ الأثر في حياته؛ إذ إنه بعد أن كان عقيدة نَفَرٍ قليلٍ من المتحمسين، أصبح دينًا لعدة ملايين من الناس.
وليت شعري كيف تأتَّى لهؤلاء المجاهدين غير المدربين أن ينتصروا على شعوب يفوقونهم مدنية وثروة، ويزيدون عليهم دربة ومراسًا للحروب؟ وكيف استطاعوا أن يبسطوا سلطانَهم على بلاد متسعة الأرجاء، وأن يحتفظوا بفتوحاتهم هذه، ويوطدوا هذا الصرح العظيم الذي ثبت أمام حروبٍ شديدة استمرت قرونًا عديدة، فلم تقوَ على هدمه، ونقض بنيانه الشامخ المتين.
وكيف أمكن هذا الدين أن يوطد في نفوس أولئك المهتدين الحديثي الإيمان أمتن الأسس؟ وكيف تسنَّى له أن يحتفظ بحيويته العظيمة، التي لم تعرف مثلها ديانة أخرى قبلُ، حتى بعد ثلاثة عشر قرنًا خلت بعد حياة مؤسسه؟ وكيف استطاع هذا الدين أنْ يغرسَ تلك الحماسة الدينية في نفوس أتباعه الجدد المختلفين عن أتباعه الأُوَل في الجنس والثقافة، فحَذَوا حَذْوَهم في الإخلاص له والتضحية في سبيله؟ لَعَمْري، إن هذا كله لمما يبعث في الإنسان الشيءَ الكثير من الدهشة والذُّهول، ثم قالت: أفليس من أكبر معجزات هذا الدين أن يؤلِّف بين قلوب أقوام كهؤلاء العرب، عاشوا أجيالًا عديدة في مخاصمات شديدة، وحروب أهلية مُستمرة، فعرفوا بفضله الاتِّحاد والإخاء والسلام؟