الصفحة 25 من 114

أضف إلى هذا أن الحكمَ الإسلامي كان يتوخَّى التيسير والخير العام والبر بالشعوب المحكومة.

فقد كان سوادُ المسيحيين في الشرق ينتمي إلى مذاهبَ لَقِيَت من اضطهاد حكومة القسطنطينية وإعناتها ما أرهق أصحابَها إرهاقًا، فلما جاء الإسلام - ومن طبيعته التسامح والإخاء - ترك لهم الحرية التامَّة في البقاء على دينهم ما داموا يؤثرونه على غيره من الأديان، وظَلَّلهم بحمايته، وسوى بينهم في الحقوق على اختلاف مَذاهبهم وشتَّى نحلهم، ولا تنسَ أنَّهم كانوا مضطرين إلى دفع ضرائب فادحة للإمبراطور الرُّوماني، فلما جاء الإسلام أعفاهم منها، ولم يفرض عليهم إلا جزية معتدلة لا ترهق أحدًا، ومتى عرفت هذه الأسباب، زالت دهشتك وعجبك من إيثارهم حكم المسلمين على حكم الرُّومان، واندفاعهم إلى مساعدة العرب في فتوحاتهم بكل قلوبهم وقواهم، بدلًا من مناوأتِهم والتألُّب عليهم.

وقد ألمعنا آنفًا إلى ما يعود من الفائدة المادية إذا أسلموا؛ لأن إعفاءهم من الجزية على اعتدالها كان مما يُرغبهم في الإسلام، وأضف إلى هذا ما يشعرون به من الكرامة الشخصيَّة إذا أسلموا، وأصبح لهم من الحقوق ما للمسلمين على أنَّ إسلام المسيحي كان الخطوة الأولى إلى الكرامة والشُّعور بالعزة، والزَّمن وحده كفيل بتحقيق ما يليها من الخطوات، ولن يلبث ابن المسيحي أنْ يصبح مسلمًا أصيلًا يتمتع بكل ما يتمتَّع به العربي من عزة وكبرياء، ولو صح ما قاله القساوسة من أن محمدًا نبي منافق كذاب، فكيف نعلل انتصاره؟

وما بال فتوحات أتباعه تَتْرَى، وتتلو إحداها الأخرى؟ وما بال انتصاراتهم على الشعوب لا تقف عند حد؟

وكيف لا يدل ذلك على معجزة هذا الرسول؟ لقد كانوا يعتقدون أول أمرهم أن خذلان المسلمين سيتم بمعجزة قريبة، فقد طالما سمعوا عن مُعجزات الكنيسة التي كانت تحدث لأقل مناسبة، وانتظروا هذه المعجزة التي تخلص البلاد المسيحية من غزوات المسلمين، ولكن انتظارهم تلك المعجزة قد طال، وذهب صبرهم أدراج الرياح، وعبثًا حاولوا وقوعَ هذه المعجزة، وأعجب من ذلك أنَّ معجزة إنْ لم نقل معجزات قد حدثت حقًّا في ذلك العصر.

وكانت معجزة أعظم مما كان يتوهمه القديسون أنفسهم، وأي مُعجزة أروع وأعجب من أن نرى شعبًا كان إلى زمن قليل في غيابه من الخمول، ثم ظهر إلى الدُّنيا فجأة، وظل يتقدم بسرعة لا مثيلَ لها وهو يغزو الأرجاء الفسيحة، وينتصر على قطر بعد قطر فتدينُ له البلاد بالطاعة والولاء، وتقبل على دينه من كل حدب وصوب راضية غير مكرهة، ولو أننا عزونا إقبالَ المسيحيين على الإسلام إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت