على أنَّ هذا النجاح لم يكن في أيِّ مكان تقريبًا إلاَّ مظهرًا من المظاهر لا حقيقة من الحقائق.
أمَّا في أواسط بلاد العرب وفي قلب جزيرتهم حيث نبتت جرثومة العربي القح وأرومته، فلم تنجح الدعاية للدين المسيحي، ولم تكن لترى إلا أثرًا ضعيفًا إن لم نقل معدومًا.
كانت المسيحية في ذلك الزمن على وجه عام بما تحويه من معجزات وبما فيها من عقيدة التثليث، وما يتَّصل بذلك من رب مصلوب، قليلة الجاذبية، بعيدة عن التأثير في نفس العربي الساحر الذكي، وآية ذلك ما نراه واضحًا فيما حدث للأساقفة الذين سعوا إلى تنصير المنذر الثالث ملك الحيرة حوالي سنة 513 من الميلاد، فإن المنذر ليُصغي إلى ما يقوله الأساقفة بانتباه؛ إذ دخل عليه أحد قُوَّاده، فأسَرَّ إليه بضع كلمات، ولم يكد ينتهي منها، حتى بدت على أسارير الملك أمارات الحزن العميق، فتقدم إليه أحد القساوسة يسأله متأدبًا متلطفًا عمَّا أشجاه.
فأجابه الملك: يا له من خبر سيئ، لقد أعلمني قائدي أنَّ رئيسَ الملائكة قد مات فواحسرتا عليه، فأجابه القسيس، هذا محال أيُّها الملك، فقد غَشَّك من أخبرك بذلك، إنَّ الملائكة خالدون، ويستحيل عليهم الفناء.
فأجابه الملك: أحقٌّ ما تقول، وتريد أن تقنعني بأن الله ذاته يموت؟ العربي رجل عملي مادي، لا يُعنى بغير الحقائق حتى في شعره، فهو لا يسبحُ في الخيال والوهم، ولا يَميل إلى الأخذ بتلك الألغاز والمعميات الدينية، التي يعتمد الإنسان في استيعابها على التخيُّل أكثر من اعتماده على التعقل.
وقال دوزي أيضًا: بينما أهلُ أوروبا نائمون في ظلام الجهالة لا يرون الضَّوء إلا من سَمِّ الخياط؛ إذ سطع نور قوي من جانب الأمة الإسلامية من علوم وأدب وفلسفة وصناعات وأعمال يد وغير ذلك؛ حيثُ كانت مدن بغداد والبصرة وسمرقند ودمشق والقيروان ومصر وفارس وغرناطة وقرطبة مراكز عظيمة لدائرة المعارف، ومنها انتشرت في الأمم، واغتنم منها أهل أوربا في القرون الوُسطى مكتشفات وصناعات وفنونًا عظيمة.
وقال دوزي أيضًا في كتابه"ملكوك الطوائف": إننا نرى أن الإسلام قد انتشر بسرعة مدهشة بين تلك الشعوب التي غزاها، وهذه ظاهرة لم يَرَ لها العالم مثيلًا من قبل، وهي تبدو لأول وهلة لُغزًا مستسرًّا، لا سبيل إلى حله وتعليله، لا سيما إذا عرفنا أن هذا الدين لم يكره أحدًا على الدُّخول فيه، وقد كان محمد يأمر بالتسامُح والإغضاء، وقد وضع للمسلمين قاعدةَ الجزية، وفرضها على كلِّ من لم يُدِنْ به من أهل الكتب المنزلة من اليهود والنصارى، فمنحهم حريتهم الدينية على أنْ يدفعوا ما فرضه عليهم من الجزية، وزاد في تسامُحه، فمنح هذه المزية لمن يقطن إقليم البحرين من المشركين.