الصفحة 23 من 114

وقال جيبون: القرآن مُسَلَّم به من حدود الإقيانوس الإتلانتيكي إلى نهر الفانج بأنه الدستور الأساس ليس لأصول الدِّين فقط، بل للأحكام الجنائية والمدنية وللشَّرائع التي عليها مدار نظام حياة النوع الإنساني وترتيب شؤونه، وقال أيضًا: إنَّ الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعًا في أحكامها من أعظم ملك إلى أقل صعلوك، فهي شريعة حيكت بأحكم وأعلم منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالمين.

وقال المؤرخ الهولندي رينها ردت دوزي في كتابه"نظرات في تاريخ الإسلام": شعب ظهر فجأة بين تلك الصحاري التي لا يكاد يعرفها أحدٌ، شعب جديد بدأ يُمثل دوره على مسرح الحياة، بعد أنْ ظل نهبًا مقسمًا تُناوئ كلُّ قبيلة منه القبيلة الأخرى، فيحتدم النِّزاع وتقع الحرب الطاحنة، ها قد رأيناه يتحد، ويجمع شمله الشتيت للمرة الأولى.

ذلكم هو الشعب الناهض الذي تَملك نفسه حب الحرية، وساعدته على النجاح صفاته النبيلة، فقد كان متقشفًا في طعامه مُخْشَوشنًا في لباسه، نبيلًا في أخلاقه، كما كان طروبًا سريع البديهة حاضر النكتة، كان شريف النفس أريحيًّا، فإذا استثرته، فهو قاسٍ غَضُوب شرس لا يني عن أخذ ثأره، ولا يرده عن انتقامه شيء.

ذلكم هو الشعب الذي قلب في لحظة واحدة إمبراطورية الفُرس بعد أنْ ظلَّ السوس ينخر في عظامها قرونًا عِدَّة، وانتزع من خلفاء قسطنطين أجملَ ضواحيهم، ثم سحق مملكة جرمانية حديثة العهد تحت قدميه، وشرع يهدد بعد ذلك بقية أوروبا، بينما كان في ذلك الوقت نفسه يوالي فتوحه وانتصارَه في الجانب الآخر من المعمورة، حتى وصلت جيوشُه الظافرة إلى الهملايا لم يكن ذلك الشعب فاتحًا فحسب، كغيره من الشعوب الأخرى، بل كان داعيًا إلى دين جديد، ومبشرًا به أيضًا.

كان داعيًا إلى دين جديد، فقام يناوئ الوثنية الفارسية والمسيحية التي أفسدتها الخرافات والبدع، حاملًا إلى الناس توحيدًا خالصًا لم يلبثْ أن دانَ به الملايين من الناس، إن ديانة العرب الأولى كانت واهية لا ترتكز على أساس مَتين، ومتى أقررنا ذلك، سهل أن نفرضَ أنه كان من اليسير على العرب أن يقبلوا دينًا آخر، فيدينوا بالمسيحية أو اليهودية مثلًا هذا كلام صحيح ولكن إلى حد ما.

إنَّ المسيحية انتشرت لهذا السبب نفسه في جهتين في الحبشة جنوبًا، وفي سوريا شمالًا؛ حيث لقيت شيئًا من القَبول.

وقد انتصرت كذلك في مدينة نجران في وقت مُبكر، ودانت شبه جزيرة سينا بالمسيحية، كما تنصر عرب سوريا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت