وفي ناحية المعاملات: نجد اليُسر شاملًا، فليس هناك إجراءاتٌ رسميَّة، أو شكلية يجب اتِّباعها ليكونَ العَقْد صحيحًا، كما كان الأمرُ عند الرومان، بل يكفي في هذا رغبةُ المتعاقدين فقط - كما هو معروف.
ومِن باب التيسير في المعاملات أيضًا: ابتناءُ كثيرٍ من الأحكام على العُرْف الصحيح شرعًا، وفي هذا ملاحظةٌ لاختلاف العُرْف والعوائد، باختلاف المكان والزمان.
وفي باب العقوبات: نجد أنَّ منها ما يُسمَّى في الفقه بالحدِّ، وهي عقوبات الزِّنا والقَذْف، والسرقة وشرب الخمر؛ صيانةً للعِرْض والنسل، والمال والعقل، وفي هذا نجد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: (( ادْرؤوا الحدودَ بالشُّبهات ما استطعتم ) )، وفي بعض الروايات يقول: (( ادْرؤوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتُم، فإن وجدتُم للمسلِم مَخْرجًا، فخلُّوا سبيله، فإنَّ الإمام لأن يخطئَ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة ) )، ولذلك روي أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُتِي بلصٍّ قد اعترف بالسرقة، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له: (( ما إِخالُك سَرقْتَ ) )، قال بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأَمَر به فقُطِع، ولذلك أيضًا يسقطُ الحدُّ عند حدوث المجاعة، ومَن سَرَق من مالٍ له فيه شُبهة، كمَن سَرَق مِن بيت المال.
هذا، ومِن دلائل اعتبار التيسير في التشريعات مِن أسس الشريعة الإسلامية: أنَّ الله - تعالتْ حِكمتُه - تفضَّل ورَفَع عنَّا تكاليفَ كثيرةً شاقَّة، وعقوباتٍ شديدة ضربَها على اليهود؛ جزاءَ بغيهم وعدوانهم، وفي ذلك نزلتْ هذه الآيات: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النِّسَاء: 160] ، {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعَام: 146] ، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عِمرَان: 110] الآية.
وروى الإمامُ أحمد والترمذي: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( أنتم تُوفون سبعين أمَّة، أنتم خَيرُها وأكرمُها على الله ) )، وفي البخاري عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( يُدْعَى نوح يومَ القيامة، فيقال له: له بلَّغتَ؟ فيقول: نعم، فيُدْعَى قومُه فيُقال لهم: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا مِن أحد، فيُقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمَّدٌ وأمَّتُه، قال: فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البَقَرَة: 143] قال: والوسط: العدل، فتُدْعَوْن فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهدُ عليكم ) ).