الصفحة 19 من 114

إنَّها الشريعة القويمة، أكمل شريعة نزلتْ من السماء على أمَّةٍ هي أشرفُ الأمم، ورسولُها أفضلُ الرسل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ودِين الإسلام وسَطٌ بين الأطراف المتجاذِبة، فالمسلمون وسطٌ في التوحيد بين اليهود والنصارى، فاليهودُ تصف الربَّ بصفات النقْص، التي يختصُّ بها المخلوق، ويُشبِّهون الخالق بالمخلوق، كما قالوا: إنَّه بخيل، وإنه فقير، وإنه لَمَّا خلق السمواتِ والأرض تعب فاستراح."

وهو سبحانه الجواد الذي لا يبخل، والغنيُّ الذي لا يحتاج إلى غيره، والقادر الذي لا يمسُّه لغوب، والقدرة والإرادة، والغِنى عمَّن سواه، هي صِفات الكمال التي تستلزم سائرَها.

والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق؛ حيث قالوا: إنَّ الله هو المسيح ابن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: المسيح ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.

فالمسلمون وحدوا الله، ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن أن يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصِّفات، فهو موصوف بصفات الكمال لا بصفات النَّقص، وليس كمثله شيء لا في ذاتِه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكذلك في النبوات، فاليهود تقتل بعض الأنبياء، وتستكبر عن اتِّباعهم، وتُكذبهم وتتهمهم بالكبائر.

والنصارى يجعلون من ليس بنبي ولا رسول نبيًّا ورسولًا، كما يقولون في الحواريين: إنَّهم رسل، بل يطيعون أحبارهم ورهبانهم كما تطاع الأنبياء، فالنصارى تصدق بالباطل واليهود تكذب بالحق.

ولهذا كان في مبتدعة أهل الكلام شبه من اليهود، وفي مبتدعة أهل التعبد شبه من النصارى، وآخر أولئك الشك والريب، وآخر هؤلاء الشطح والدعاوى الكاذبة؛ لأن أولئك كذبوا بالحق، فصاروا إلى الشك، وهؤلاء صدقوا بالباطل، فصاروا إلى الشطح، فأولئك كظلمات في بحر لُجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، وهؤلاء كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

فمبتدعة أهل العلم والكلام طلبوا العلم بما ابتدعوه ولم يتبعوا العلم المشروع، ويعملوا به، فانتهوا إلى الشك المنافي للعلم بعد أنْ كان لهم علم بالمشروع، لكن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وكانوا مغضوبًا عليهم ومبتدعة العباد طلبوا القرب من الله بما ابتدعوه في العبادة، فلم يحصل لهم إلا البعد منه، فإنه ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت