الصفحة 17 من 114

وروى ابن جرير عن أنس، قال: رأى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلًا يُهادَى بين رجلَين، فقال: (( إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه ) )، قالوا: يا رسول الله، إنَّه نذر، قال: (( اركبْ، فعليك بَدَنة ) ).

وروى ابنُ جرير أيضًا عن عطاء بن يسار، قال: لقيتُ عبدالله بن عمرو، فقلت: أخبِرْني عن صِفة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في التوراة، قال: أجَلْ، والله إنَّه لموصوف في التوراة كصِفته في القرآن: ("يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميِّين، أنت عبدي ورسولي، اسمك المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يَجْزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضَه الله حتى يُقيمَ به الملَّة العوجاءَ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غُلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا"؛ ورواه البخاري.

وأمثال هذه النصوص في القرآن والسُّنَّة وكلام السلف كثيرٌ لا يمكن حصرُه، ممَّا لا مجالَ معه للشكِّ في يُسْر هذه الشريعة، وسماحتِها وشمولها.

وهكذا نرى مِن تلك الآيات والأحاديث: أنَّ الله الرحمن الرحيم، والعالِم بتفاوت الناس صِحَّة ومرضًا، وقوَّةً وضعفًا - رَفَع عنَّا الحَرَج، ودَفَع المشقَّة عن الناس جميعًا بعامَّة، وعن المرْضى والمصابين بخاصَّة.

ولِرَفْع الحرج ودفْع المشقَّة عنا مظاهرُ كثيرة؛ منها ما هو في العبادات، ومنها ما هو في المعاملات، ومنها ما هو في العقوبات وما يتصل بها، ولنذكر مثلًا توضِّح كُلاًّ من هذه النواحي.

ففي العبادات: نرى أولًا عدمَ كثرةِ التكاليف التي جاءتْ بالقرآن خاصَّة بها، حتى صار من اليسير القيامُ بها دونَ عَنَت ولا مشقَّة، كما نرى إباحةَ قَصْر الصلاة حالَ السفر، والفِطْرَ للصائم إذا كان مريضًا، أو على سَفَر، وهذا نجده منصوصًا عليه في القرآن، وإباحة التيمُّم بدلَ الوضوء للصلاة لِمَن لم يجدِ الماء، أو كان في استعماله ضررٌ به، وتناولَ المحرَّمات في الاضطرار.

بل إنَّ الله لم يفرِض علينا الصومَ إلا شهرًا واحدًا في العام، وهذا لِمَا يعلمه الله فيه مِن جهد الجِسْم والنفس، ومع ذلك أباح الفِطرَ لِمَن يشقُّ عليه الصوم.

وفي الحج كثيرٌ من التكاليف البدنية والمالية، وفي ذلك - بلا ريبٍ - مَشقَّة على كثير من الناس، ولهذا لم يَفرِضْه إلاَّ على مَن استطاع إليه سبيلًا، والأمر كذلك في الزكاة، فلم يفرضْها إلاَّ على القادر الذي يفيض مالُه عن حاجته، وجعلها العُشْر أو نصف العُشْر فقط، وهذه نِسبة تقلُّ كثيرًا عن أنواعٍ من الضرائب التي تجبيها الحكوماتُ الحديثة هذه الأيَّام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت