الصفحة 16 من 112

طاوس يعظ هشام بن عبدالملك

لما قدم هشامُ بن عبدالملك مكة حاجًّا أيام خلافته، قال: آتوني برجلٍ من الصَّحابة، فقيل: قد تفانوا، قال: فمن التابعين، فأتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه، خلع نعله بحاشية بُساطه، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، بل قال: السلام عليك، ولم يُكنِّه، وجلس بإزائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا، وقال: يا طاوس، ما الذي حَمَلك على ما صنعت؟ فقال: وما صنعت؟ فازداد غضبًا، وقال: خلعت نعلكَ بحاشية بُساطي، ولم تسلِّم عَلَيَّ بإمرة المؤمنين، ولم تُكَنِّني، وجلست بإزائي، فقال طاوس: أَمَّا خلع نعلي بحاشية بساطك، فإني أخلعها بين يدي ربِّي كلَّ يوم خمسَ مرات، فلا يغضب عليَّ لذلك.

وأمَّا قولك: لم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين، فليس كلُّ الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أَكْذِب.

وأمَّا قولك: لم تكنِّني، فإن الله - تعالى - سمى رُسُله، فقال: يا داود، يا يحيى، يا نوح، يا عيسى، وكنَّى أعداءَه، فقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] ، وأما قولك: جلست بإزائي فإنِّي سمعت أمير المؤمنين عليًّا - رضي الله عنه - يقول: إذا أردت أن تنظرَ إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالسٍ، وحوله رجالٌ قيام، فقال هشام: عِظْني، فقال طاوس: سمعت أمير المؤمنين عليًّا يقول: إنَّ في جهنم حَيَّاتٍ كالتِّلال وعَقَاربَ كالبغال تلدغ كلَّ أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام عنه وترك مجلسه [1] .

أي الكتابين أحق بالطاعة

ودخل أبو النضر سالم مولى عمر بن عبيد الله على عاملٍ للخليفة، فقال له: يا أبا النضر، إنَّه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها، ولا نجد بُدًّا من إنفاذها، فماذا ترى؟ قال أبو النضر: قد أتاك كتابُ الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما اتَّبعت كنت من أهله.

(1) "مجلة الفكر الإسلامي"، من مقال للأستاذ عمر القميري، شهر ربيع الأول، 1395 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت