مالك بن دينار جريء في الحق
يروى أن بلال بن أبي بردة خرج في جنازة وهو أمير على البصرة، فنظر إلى جماعة وقوف فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار يذكِّر الناس، فقال لِوَصيفٍ معه: اذهب إلى مالك بن دينار، فقل له: يرتفع إلينا إلى القبر، فجاء الوصيفُ فأدى الرِّسالة إلى مالك، فصاح به مالك: ما لي إليه حاجَة، فأجيئه فيها، فإن تكن له حاجة، فلْيَجِئ إلى حاجةِ نفسه.
فلما دفنوا مَيِّتَهم، قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك، فلما دنا منه، نزل ونزل من معه، ثم جاء يَمشي إلى الحلقة حتى جلس، فلما رآه مالك بن دينار، سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: يا أبا يَحيى، ذكرنا؟ فقال: ما نسيت شيئًا، فأذكرك به، قال: فحدثنا، قال: أمَّا هذا، فنعم، قدم علينا أميرٌ من قبلك على البصرة، فمات فدفنَّاه في هذه الجبانة، ثم أتينا بزنجي فدفنَّاه إلى جنبه، والله ما أدري أيُّهما كان أكرم على الله سبحانه، فقال بلال: يا أبا يَحيى، أتدري ما الذي جَرَّأك علينا، وما الذي أسكتنا عنك؟ لأنَّك لم تأكلْ من دراهِمِنا شيئًا، أَمَا والله، لو أخذت من دراهمنا شيئًا، ما اجترأت علينا هذه الجُرأة [1] .
ولَمَّا نظر مالك بن دينار إلى المهلب بن أبي صفرة يجر أذياله، ويتبختر في أثواب خيلائه، فناداه أنِ ارفع من ثيابك، فقال له المهلب: أَوَمَا تعرفني؟ قال له مالك: بلى، إنِّي أعرفك، أَوَّلُك نطفة مَذِرة، وآخرك جيفة قَذِرَة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة [2] .
(1) "سراج الملوك".
(2) "سراج الملوك".