6 -ولقد سار العلماء الربانيون على هذا الهدي، وتلك الطريقة، من الصفح والعفو وسلامة الصدر: قال ابن القيم رحمه الله:
(وما رأيت أحدًا قطُّ أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدّس الله روحه -، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول:( وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قطُّ، وكان يدعو لهم) .
قال: (وجئت يومًا مبشّرًا له بموتِ أكبر أعداءه، وأشدّهم عداوةً وأذىً له، فنهرني، وتنكّر لي واسترجع. ثم قام من فوره إلى أهل بيته - أي ذلك الخصم الذي مات - فعزّاهم، وقال:(أنا لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه) ... فسُّروا به ودعوا له، وعظّموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه).
إنَّ الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال اتّسع صدره وامتدّ حلمه، وتطلّب للناس الأعذار، والتمس لأغلاطهم المسوغات، وأخذهم بالأرفق من حالهم.
ويحسن بي في هذا المقام أن أذكر موقفًا طالما سمعناه في الفترة الماضية، وأكثر العلماء والباحثون من التنويه بشأنه، ألا وهو موقف سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى - مع ذلك الرجل الخرجي الذي سبَّه وأغلظ له القول، وملخص الموقف:
أنَّ رجلًا من أهل الخرج سبَّ الشيخ ابن باز - رحمه الله - وأغلظ له في القول إبان توليه قضاء الخرج (1357 - 1371هـ) ، واشتهر ذلك الأمر في البلد، وما مضى وقت يسير إلا وخرج الشيخ إلى الحجِّ على عادته، فأراد الله في هذه الفترة أن يختار وديعته، فمات ذلك الرجل أثناء سفر الشيخ إلى الحج ! فلمَّا قُدِّم الرجل ليُصلَّى عليه أبى إمام الجماعة أن يصلي عليه، وقال: هذا الذي سبَّ الشيخ وأغلظ له القول فلا أُصلِّي عليه! فتقدَّم أحد الناس فصلَّى عليه.