طريق قواعد التشريع المالكي فضلًا عن الفقيهين الشهيرين أبي بكر العربي، والتميمي اللذين لم يتقدمهما أحد بعد وفاة ابن رشد [1] ، ثم عبد الله بن أبى جعفر المرسي الذي (انتهت إليه رئاسة المالكية) [2] .
صبت جهود هؤلاء الفقهاء في ترسيخ المذهب المالكي عبر قناتين: التدريس والتأليف، فتدريس الفقهه المالكي كان يعد أهم وسيلة لتثبيت دعائمة، لذلك جنّد الفقهاء أنفسهم لبلوغ هذه الغاية، وفي هذا الصدد ورد في ترجمة محمد بن سعيد بن مجاهد الأنصاري أنه: (أنفق عمره في إسماع الحديث وتدريس المذهب المالكي) [3]
وأحيانًا جمع الفقهاء بين منصبى القضاء والتدريس [4] ، وظلت المدونة أهمّ الكتب التي تم إلزام الطلبة بدراستها حتى إنها اقترنت أحيانًا بتراجم بعض الأعلام، من ذلك ما جاء في سيرة محمد بن عبد الله الخشنى (ت540هـ) الذي كان (مبرزًا في تدريسة قائمًا على المدونة) [5] ، وكان الموطأ الذي وضع ابن رشد شروطًا لتدريسه [6] ، وبلغ درجة قصوى من الأهمية حتى إن القاضي عياض أورد على لسان ابن مهدى: (لا أعلم من علم الناس بعد القرآن أصح من موطأ مالك) [7] .
ومن أجل تدعيم المذهب المالكي لم يبخل الفقهاء بأدنى جهد في تأليف الكتب التي تروج له، وحسبنا ما خلّفه عياض من مصنفات كثيرة على رأسها كتاب (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك) و (تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم) و (ضبط الألفاظ) الذي وصفه بأنه (لو كتب بالذهب ووزن بالجوهر لكان قليلًا في حقه) [8] .
أما الفقيه أبو بكر بن العربي فقد استبسل في مقاومة التيارات غير السنية في كتابه الموسوم بـ (الرد على من خالف أهل السنة من ذوى البدع والإلحاد) [9] ، علاوة على كتاب (العواصم من
(1) ابن فرحون، م. س، ص41.
(2) تذكرة الحفّاظ، الذهبي، طبعة حيدر آباد والدكن، 1334هـ (ط2) ، دائرة المعارف النظامية، ج4،ص69
(3) الذيل والتكملة، ابن عبد الملك، تحقيق إحسان عباس، طبعة بيروت 1973، ج6 ص204.
(4) التكملة لكتاب الصلة، ابن الأبار، طبعة الجزائر 1911، ج1 ص493.
(5) نفسه ص447، ولدينا تراجم كثيرة حول أهمية تدريس الموطأ، انظر نفس المصدر ج1،ص150 - 274 - 420 ثم ج2 ص469 - 482 - 485 - 561 - 754 - 826 - 827.
(6) مما ورد في إحدى فتاواه: (الجواب عليه لا يصح لمن لم يعن بالعلم ولا سمعه ورواه أن يجلس لتعليمه في الموطأ ولا غيره، وإن قرأها وتفقّه إذا صحح كتابه على رواية شيخه فيها وبالله التوفيق) . انظر نوازل ابن رشيد، (مخ) خ. ع. و. م. ر، رقم ك731،ص355.
(7) المدارك، ج2،ص70 وفيها ورد ببت للقاضي عياض:
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها ... كتاب الموطا من تصانيف مالك
انظر نفس المصدر ص78.
(8) شجرة النور الزكية، محمد مخلوف، بيروت 1949، نشر دار الكتاب العربي، ص141، انظر أسماء المصنفات الأخرى التي ألفها عياض في نفس الترجمة.
(9) أزهار الرياض، المقري، تحقيق مصطفي السقا وآخرون، فضالة - المحمدية1980، ج3، ص95، انظر المصنفات الأخرى في نفح الطيب، ج2،ص36.