بيد أن أهم تجليات تأثير المشرق الإسلامي في ميلاد مدرسة مالكية بالمغرب يتجلّى في الرحلات العلمية التي كان يقوم بها علماء المغرب والأندلس نحو المدارس النظامية في بغداد؛ ففي غمرة هذا الانتصار السنيّ، شَدَّ العلماء المغاربة والأندلسيون الرحال إلى العراق، نذكر من بينهم أبو علي الصدفيّ [1] . وأبو بكر الطرطوشي [2] . وأبو بكر بن العربي [3] . وغيرهم من العلماء الذين وجدوا المدارس النظامية في أوج إشعاعها، فعادوا لنشر المذهب السنيّ المالكي في أقطارهم بالمغرب والأندلس.
5 -دور الفقهاء المالكيين المغاربة والأندلسيين:
لعب الفقهاء المالكيون والأندلسيون الذين رحلوا إلى العراق دورًا بارزًا في تثبيت دعائم المذهب المالكي ببلدانهم، نذكر من بينهم دارس بن إسماعيل الذي كان حافظًا للرأي على مذهب مالك [4] وقيل إنه أول من أدخل مدوّنة سحنون إلى فاس، وبه اشتهر الإمام مالك [5] . وأبا محمد عبدالله بن إبراهيم الأصيلي الذي كان من حفّاظ مذهب مالك، وأبا عمران الفاسي تلميذ أبي بكر الباقلاني الذي درس في العراق على يد كبار شيوخ المالكية، ثم عاد إلى فاس بعد أن رسخ قدمه في المذهب المالكي، حتى إن أٍستاذه شبّه علمه بعلم مالك [6] ، وعنه أخذ الطلبة من أقطار المغرب الإسلامي، لعل أهمهم وجاج بن زلو اللمطي الذي قام بعمل هام كان له الأثر الواضح في ذيوع المذهب المالكي بالمغرب، ويتجلي ذلك في بنائه مدرسة عرفت (بدار المرابطين) [7] ، وخصصت لتلقين مبادئ المذهب المالكي ومقاومة المذاهب الأخرى [8] ، ومنها تخرج الداعية المالكي الكبير عبد الله بن ياسين الجزولى.
وبعد الدور التمهيدى الذي قام به هؤلاء العلماء في ترسيخ المذهب المالكى بالمغرب والأندلس، جاء دور علماء القرن الخامس الهجرى، ولا غرو فإن كبار أعلام المالكية ظهروا في هذه الحقبة المتزامنة مع حقبة السلاجقة كالقاضي عياض الذي وصفة أحد المؤرخين بأنه (أحد عظماء المالكية) [9] ، وأبو الوليد بن رشيد الذي كان رأس المالكية بالأندلس، معروفًا بفتاويه وحلّه الإشكاليات المستعصية عن
(1) كتاب في تراجم الأولياء، مؤلف مجهول، (مخ) خ. غ. و. م .. ر رقم ج1271، ص201
(2) الشيال، م، س، ص،60
(3) انظر ما ورد عن رحلته مع والده إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله ولقائه مع أستاذه الإمام الغزالي في: ترتيب الرحلة في الترغيب للملة (مسخ) خ. ع. و. م. ر، رقم ك1275.
(4) تاريخ علماء الأندلس، ابن الفرضي، طبعة 1966،ج1ص146.
(5) جذوة الاقتباس، ابن القاضي، الرباط 1973، دار المنصور للطباعة الوراقة، ج1، ص194.
(6) عياض، م. س، ج7، تحقيق سعيد أعراب، ص246.
(7) نفسه، ج8،ص81
(9) النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، نشر المؤسسة المصرية للتاليف والترجمة، ج5،ص285