الصفحة 6 من 18

4 -دور المشرق الإسلامي:

لم يكن انتصار المذهب السنيّ في الشرق الإسلامي وليد الصدفة، بقدر ما جاء نتيجة حتمية للصراع الذي خاضه ضد التيار الشيعي، وقد وصل هذا الصراع أحيانًا إلى حدّ استعمال القوة والعنف، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة [1] ، غير أن القوة السنية بزعامة السلاجقة عولت على أسلوب آخر في مقاومة التيار الشيعي، يتجلي في إنشاء المدارس النظامية، فمن أجل تكسير شوكة الشيعة، وإفشال مخططاتهم السياسية، أدرك الوزير السلجوقي نظام الملك أن تأسيس المدارس يعد خير وسيلة لتحقيق هذا الهدف، فضلًا عمَّا يُرجَى من ورائها من إحياء للثقافة السنية [2] ومن ثم اعتبرت المدرسة النظامية أول مدرسة بُنيت لتحقيق هذا المشروع [3] .

والحق أن هذه المدارس خلّفت نتائج طيبة؛ إذ مكّنت من تخريج الأكفاء من الموظفين والدعاة، وأسفرت بالتالي عن انتصار ساحق للمذهب السنيِّ، ممثلًا في المدرسة الأشعرية التي دعمها الإمام الغزالي بالمنطق والآراء الفلسفية فضلًا عن التصوف [4] .

وامتدَّ تأثير هذا الانتصار إلى مصر التي ظهر بها أعلام المذهب، رغم بطش الحكم الفاطميّ [5] . وتقوم شهادة القاضي عياض دليلًا على ذلك [6]

في غمرة هذا المد السنيّ بات بديهيًَّا أن يصل تأثيرة إلى المغرب والأندلس بفضل التجارة التي شكلت عاملًا مهمًّا في تسرب المذهب المالكي نحو هذه المنطقة، فإلقاء نظرة على المدن المغربية التي برز فيها أعلام المذهب وفي سجلماسة وفاس وأغمات وسبته -يتبين أنها كانت على صلة تجارية وثيقة مع القيروان، وكانت ترتبط معها بطرق تجارية، لم ينقطع ورود سلعها حتى أثناء فترات الصراعات السياسية [7] .

وهذا ما يفسر بقاء تلمسان -إحدى محطات الطرق التجارية- (دار العلماء والمحدثين وحملة الرأي على مذهب مالك بن أنس -رحمه الله-) [8] .

(1) انظر: تاريخ الخلفاء السيوطي، محيي الدين عبد الحميد، بغداد، 1987 (ط3) ، ص418 - 419 - 422 - 425 - 427.

(2) تاريخ الجامعات الإسلامية الكبرى، محمد غنيمة، تطوان 1953،ص5.

(3) وفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق إحسان، طبعة بيروت (د. ت) ، دار صادر، ج4، ص217 - السيوطى، م. س، ص420 - الشيال أعلام الإسكندرية، طبعة مصر 1965، ص60

(4) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي من القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد، عبد المجيد بدوى، القاهرة 1408هـ-1988م، دار الوفاء للطباعة والنشر، ص116.

(5) الديباج المذهب، ابن فرحون طبعة الفحامين بمصر 1351هـ ص276، وفيه يشير إلي أن الفاطميين طردوا أبا بكر الطرطوشي المالكي من الإسكندرية.

(6) المدارك، ج1، ص25 - 26

(7) المذهب المالكي في عهد المرابطين والموحدين، رضوان مبارك، رسالة جامعية بكلية الآداب بالرباط، رقم ج2 - 217، ص49

(8) البكرى، م. س، ص77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت