حتى إنه كان يتتبّع أخبارهم ويكتب لبعضهم، ولما توفي اتجه هؤلاء إلى تلامذته من أمثال ابن القاسم وأشهب وابن وهب ... وغيرهم، فأخذوا عنهم ما فاتهم، وتمخض عن هذا الاتصال انتقال المذهب المالكي إلى المغرب [1] .
وفي نفس المنحى ثمة من الدارسين [2] من فسر أسباب تمسك المغاربة بالمذهب المالكي ونفورهم من المذاهب الأخرى -بكون أئمة المذاهب الأخرى تتلمذوا على يد الإمام مالك ثم خرجوا عنه، فعن سبب عزوفهم عن المذهب الشافعي يَذكر المقدسي [3] ما يلي:"رأيت أصحاب مالك يبغضون الشافعي قالوا أخذ عن مالك ثم خالفه"، أما عن سبب نفورهم من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلأنه أخذ بالخبر الضعيف وفضله على القياس حتى إن كثيرًا من الفقهاء، لم يعدوا أحمد بن حنبل من الفقهاء، وإنما صنّفوه في طبقات المحدثين [4] .
وبالمثل: فإن الفقهاء المالكيين الذين تتلمذوا مباشرة أو بصفة غير مباشرة على يد الإمام مالك أعطوْا النموذج الأخلاقيَّ في الجهاد والتضحية، مما جعل أهل المغرب والأندلس يعجبون بهم، وحسبنا أن هؤلاء كانوا يسمعون بالفقهاء المالكيين في إفريقية، والمحن التي اصطلوْا بنارها على يد العبيديين، ومع ذلك وصلوا إلى درجة الاستشهاد، مما جعل مكانتهم تسمو في أعينهم، فصاروا يميلون إليهم [5] ، هذا فضلًا عن نضالية المذهب وشعبيته والتحامه بقضايا الأمة الإسلامية [6] .
3 -الرصيد التاريخي:
بدأ المذهب المالكي في التسرب مبكرًا إلى الأندلس في عصر الدولة الأموية بالأندلس، وبالذات في عهد هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، وهو ما جعل بعض الباحثين يفسرون ذلك برغبة أمويّي الأندلس في الاستقلال عن الخلافة العباسية [7] ، وعن الدولة الفاطمية التي تبنّت المذهب الشيعي [8] .
وفي هذا السياق أجمع كل من ابن حزم والقاضي عياض على أن الأمير المذكور لعب دورًا أساسيًّا في إلزام الناس بمذهب مالك عندما صيّر القضاء والفتوى عليه (فالتزم الناس بها من يومئذ هذا المذهب وحموه بالسيف) [9] .
أما في المغرب فيمكن الرجوع بالرصيد التاريخي الذي ساعد في تكوين مدرسة مالكية في المغرب والأندلس إلى عصر الدولة الإدريسية الذي بدأ منذ سنة 172هـ، فعلى الرغم من اعتناق الأمير إدريس الأول المذهب الشيعي الزيدي، لم يحاول فَرْضه على أهل المغرب الذين أخذوا بالمذهب المالكي منذ أن تتلمذ بعضهم علي يد
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2) (البيئة وأثرها في صياغة مذهبنا المالكي) ، محمد العمراني، مجلة دعوة الحق، عدد 245، فبراير 1985، ص.
(3) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم نشرن Degoge، طبعة ليدن 1906، ص 42.
(4) المدارك، عياض، تحقيق محمد بن تاويت الطنيجي، 1/ 86 طبعة فضالة - المحمدية 1983 (ط2) .
(5) الأثر السياسي والحضاري للمالكية في شمال إفريقية حتى قيام دولة المرابطين، محمد داود أبو العزم، طبعة مكة 1405هـ، 1985م، ص 321.
(7) ( الحضارة الإسلامية بالأندلس) أحمد مكي، مجلة البيئة، مارس - دجنبر 1970، ص 191.
(8) تكوين العقل العربي، الجابري، بيروت 1984، ص 298 - 299.
(9) المدارك، ج1 ص 26 - 27، نفح الطيب للمقري،