الصفحة 3 من 18

أولًا: عوامل نشأة المدرسة المالكية في المغرب والأندلس:

1 -عامل البيئة:

يمكن تفسير نشأة المدرسة المالكية بالمغرب بعوامل بيئية وحضارية يأتي في مقدمتها تفسير ابن خلدون [1] الذي عزا فيه أخذ المغاربة بالمذهب المالكي إلى البداوة الغالبة عليهم، وملاءمة ظروفهم لبيئة الحجاز البدوية. كما ذكر في موضع آخر أن أهل المغرب بعيدون عن الصنائع؛ ولذلك فإن منتهى رحلتهم كانت الحجاز التي يسود فيها المذهب المالكي، وليس العراق الذي كان يعج بأنواع الصناعات وأصناف التجارات، فضلًا عن كونه موئلًا لمختلف المذاهب [2] .

من ناحية أخرى فسّر ابن خلدون انتشار المذهب المالكي في المغرب بطبيعة العقلية المغربية، فكان أول مؤرخ اجتماعي فطن إلى كون المذهب المالكي أكثر المذاهب ملاءمة لعقلية المغاربة لسهولته وبساطته، وميلهم الفطري إلى البساطة في كل شيء [3] .

فالمذهب المالكي لا يعوّل على استخدام الرأي أو الجدل بقدر ما يعتمد على النص والنقل، وعلى الأثر والرواية، ومن ثم فهو مذهب ملائم لطبيعة المغاربة، لأنه عمليٌّ أكثر منه نظري، ويستند على الواقع، ويأخذ بالعرف والعادة، وأهل المغرب عمومًا متمسكون بالسنة والجماعة وتجنُّب البدع كما يؤكد ذلك أبو بكر بن العربي [4] ، ناهيك عن كونهم سئموا الصراعات المذهبية التي جرت دون طائل، وهو ما يفسر قول الناصري [5] "فبعد أن طهّرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولًا والرافضية ثانيًا، وأقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف -رضي الله عنهم-"فأصبح شيوع المذهب المالكي عندهم عادة وفطرة لا تحتاج إلى دليل" [6] ."

2 -شخصية الإمام مالك بن أنس:

إلى جانب انتشار المذهب المالكي في المغرب والأندلس بعوامل ذاتية ترجع إلى شخصية الإمام مالك نفسه؛ بما عرف عنه من كريم السجايا والخلال الحميدة، والتعلق الشديد بالسنة والأثر [7] ، مما دفع المغاربة والأندلسيين إلى الوفود عليه، والانقياد لمذهبه، والاقتناع أنه أولى بالاقتداء والاتباع، ويقال: إن مثل هذه الصفات حببتْه إلى قلوب المغاربة وأكسبتْه ثقتهم عندما رجع طلابه يصفون أخلاقه وشمائله، كما أن الإمام مالكًا كان شديد الإعجاب بالطلبة المغاربة والأندلسيين؛ لِمَا لمسه فيهم من حسن الاستعداد والجد والحرص على الاتباع وحسن الاقتداء، فخصهم بمكانة متميزة

(1) كتاب المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، طبعة 1952، لجنة البيان العربي، ج3، ص 1020 - 1021.

(2) نفسه، ص 1088.

(3) تبرز أوجه التوافق بين بساطة العقل البربري والمذهب المالكي في الرواية التالية: (قال أبو طالب المكي: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشدهم بغضًا للعراقيين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين، قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا فقال: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليًّا حتى علاه الرحضاء، وما رأينا مالكًا وجد من شيء وجْده من مقالته وجعل الناس ينظرون ما يأمر به ثم سري عنه فقال: الاستواء منه معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالًا، أخرجوه) . انظر عياض، ترتيب المدارك، تحقيق عبد القادر الصحراوي، طبعة فضالة - المحمدية (د. ت) ج 2 ص 39 - 40.

(4) ترتيب الرحلة عن: عصمت دندش عبد اللطيف في مقالها: (دراسة حول رسائل ابن العربي) ، مجلة المناهل، عدد 9، سنة 1977، ص 187.

(5) الاستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى، طبعة البيضاء 1954، دار الكتاب، ج1، ص 104.

(6) المعيار المعرب الونشريسي، نشر وزارة الأوقاف المغربية، بيروت 1981، دار الغرب الإسلامي، ج2، ص 169.

(7) محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، عمر الجيدي، طبعة البيضاء 1987، مطبعة النجاح الجديدة، ص 29 - 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت